قلعة السراغنة.. هل تحولت البوادي إلى ضحية للمضاربات العقارية في عهد العامل اليزيدي؟

هبة زووم – علال الصحراوي
تعيش العديد من الجماعات القروية بإقليم قلعة السراغنة على وقع تحولات متسارعة باتت تثير قلق فاعلين محليين ومتابعين للشأن العام، في ظل ما يعتبرونه تراجعاً مستمراً لمقومات الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي بالعالم القروي، مقابل تنامي مظاهر المضاربة العقارية واتساع نفوذ أصحاب الرساميل الباحثين عن فرص الاستثمار في الأراضي الفلاحية.
ويرى متابعون أن الإقليم، الذي كان يتميز لعقود بترابطه الاجتماعي وتشبث ساكنته بأراضيها وأنشطتها الفلاحية التقليدية، يشهد خلال السنوات الأخيرة تغيرات عميقة مست بنيته الاقتصادية والاجتماعية، خاصة مع توالي سنوات الجفاف وتراجع المردودية الفلاحية للزراعات البورية التي تشكل المصدر الرئيسي لعيش فئات واسعة من السكان.
وفي ظل هذه الإكراهات المناخية والاقتصادية، أصبحت العديد من الأسر القروية تجد نفسها أمام خيارات صعبة، تتراوح بين الهجرة نحو المدن بحثاً عن فرص الشغل أو التفريط في أراضيها الفلاحية، وهو ما فتح المجال أمام توسع عمليات اقتناء العقارات والأراضي من طرف مستثمرين وأصحاب رؤوس أموال تمكنوا من تجميع مساحات واسعة في عدد من المناطق.
ويؤكد فاعلون محليون أن هذه التحولات لا تقتصر على الجانب العقاري فقط، بل تمتد إلى تغيير البنية الاجتماعية للقرى والدواوير، حيث تتراجع الملكيات الفلاحية الصغيرة لصالح ضيعات كبيرة أو مشاريع ذات طابع استثماري لا ترتبط دائماً بالإنتاج الفلاحي، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول مستقبل العالم القروي بالإقليم ومدى قدرة السياسات العمومية على حماية التوازنات الاجتماعية والاقتصادية القائمة.
كما يرى عدد من المهتمين بالشأن المحلي أن السلطات الإقليمية مطالبة بوضع التنمية القروية في صدارة أولوياتها، عبر تشجيع الاستثمار المنتج، ودعم الفلاحين الصغار، ومحاربة مختلف أشكال المضاربة التي تهدد الاستقرار العقاري والاجتماعي، بدل الاكتفاء بتدبير تداعيات الأزمة بعد وقوعها.
وفي السياق ذاته، يثير بعض الفاعلين النقاش حول ضرورة توسيع دائرة التقييم العمومي لتشمل مختلف السياسات الترابية المعتمدة بالإقليم، بما فيها القضايا المرتبطة بالحكامة المحلية وحماية الحقوق والحريات وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات. ويعتبر هؤلاء أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن ترسيخ مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة وتكافؤ الفرص بين مختلف الفئات الاجتماعية.
كما يسجل متابعون أن عدداً من الهيئات السياسية والنقابية والحقوقية ركزت خلال السنوات الماضية على ملفات اجتماعية واقتصادية متعددة، غير أن هناك دعوات متزايدة لتوسيع النقاش العمومي ليشمل مختلف القضايا المرتبطة بتدبير الشأن المحلي، وتقييم أثر السياسات العمومية على واقع الساكنة القروية ومستقبل الأجيال القادمة.
وأمام استمرار الجفاف وتفاقم التحديات الاقتصادية والاجتماعية، يطالب فاعلون محليون بإطلاق رؤية تنموية جديدة قادرة على إعادة الاعتبار للعالم القروي بقلعة السراغنة، من خلال تثمين الموارد المحلية، ودعم الفلاحة المستدامة، وخلق فرص الشغل، والحد من نزيف الهجرة القروية، بما يضمن الحفاظ على التوازنات الاجتماعية التي شكلت لعقود أحد أهم عناصر قوة الإقليم.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تمتلك السلطات الإقليمية والمؤسسات المنتخبة الأدوات والإرادة الكافية لإيقاف هذا النزيف وإعادة بناء نموذج تنموي يحافظ على الأرض والإنسان، أم أن العالم القروي بقلعة السراغنة سيواصل فقدان مقوماته لصالح منطق المضاربة والربح السريع؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد