هبة زووم – المحمدية
لم يحتج حزب التقدم والاشتراكية بالمحمدية إلى كثير من العبارات المنمقة لوصف الوضع الذي يقول إنه تعيشه المدينة، فقد حمل الاجتماع الدوري لكتابته الإقليمية، المنعقد يوم 7 غشت الجاري، جملة من الانتقادات الثقيلة للحكومة وللسياسات العمومية، واضعاً ملفات البطالة وغلاء المعيشة والاستثمار والبيئة والبنية التحتية في صلب النقاش، خصوصاً مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية.
لكن ما يلفت الانتباه في هذا البلاغ ليس فقط حجم الانتقادات الموجهة للحكومة، وإنما أيضاً عودة “لاسامير” إلى واجهة الخطاب السياسي بالمحمدية، بعد سنوات طويلة من الانتظار والوعود والترافع، دون أن يجد هذا الملف، الذي يمثل بالنسبة للمدينة أكثر من مجرد قضية اقتصادية، طريقه إلى الحل النهائي.
الكتابة الإقليمية للحزب حملت الحكومة مسؤولية تدهور القدرة الشرائية وارتفاع البطالة وتراجع فرص الاستثمار والشغل، معتبرة أن عدم إيجاد حل جدي ومستدام لملف الشركة انعكس بشكل مباشر على النسيج الاقتصادي والاجتماعي للمحمدية، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه، قبل كل شيء، هو: هل يكفي إعادة تشخيص الأزمة كلما اقترب موعد الانتخابات؟
فالمحمدية لا تحتاج إلى بيانات حزبية جديدة بقدر ما تحتاج إلى أجوبة واضحة حول مصير “لاسامير”، ومستقبل آلاف الأسر المرتبطة اقتصادياً واجتماعياً بالمنظومة الصناعية للمدينة، وحول مسؤولية مختلف الفاعلين السياسيين والمنتخبين في تحويل هذا الملف من مادة للترافع الانتخابي إلى قضية ذات حلول عملية.
والأمر نفسه ينطبق على البطالة والاستثمار. فحين يتحدث حزب سياسي عن تراجع فرص الشغل والاستثمار، يصبح من المشروع أن يسأل المواطن عن البدائل التي يقترحها، وعن المشاريع التي استطاع فرضها أو استقطابها، وعن حجم الترافع الفعلي داخل المؤسسات المنتخبة والتشريعية، بدل الاكتفاء بتعداد مظاهر الأزمة.
ولم يسلم الوضع العمراني والخدمات الأساسية من انتقادات الكتابة الإقليمية، التي تحدثت عن تأخر مواكبة التوسع العمراني، وضعف البنية التحتية والخدمات الأساسية في عدد من الأحياء الشعبية ومناطق الامتداد العمراني.
وهي انتقادات تكشف مفارقة صارخة: مدينة تحمل تاريخاً صناعياً واقتصادياً مهماً، وتتوفر على موقع استراتيجي، لكنها لا تزال، بحسب البلاغ، عاجزة عن توفير مستوى من الخدمات والبنيات يوازي طموحات ساكنتها.
فأين تذهب البرامج والمخططات؟ ومن يتحمل مسؤولية تأخرها؟ وهل أصبحت الأحياء الشعبية مجرد خزان انتخابي لا يُستدعى إلا خلال الحملات الانتخابية، ثم يعود إلى دائرة النسيان بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع؟ هذه الأسئلة لا تخص حزباً بعينه، وإنما تهم جميع الفاعلين الذين تداولوا المسؤولية والتمثيلية بالمحمدية خلال السنوات الماضية.
أما الملف البيئي، فيبدو أكثر إحراجاً، بالنظر إلى خصوصية المحمدية كمدينة صناعية، وما راكمته من مشاكل بيئية ظلت محل انتقادات وشكايات متكررة، فالكتابة الإقليمية تحدثت عن “اختلالات بيئية متراكمة”، وطالبت بسياسة بيئية حقيقية تحمي صحة المواطنين وتضمن الحق في بيئة سليمة.
لكن حتى هنا يبقى السؤال المركزي قائماً: هل تحتاج المحمدية إلى سياسة بيئية جديدة على الورق، أم إلى إجراءات ملموسة ومراقبة صارمة وربط واضح للمسؤولية بالمحاسبة؟ فالساكنة لا تقيس جودة السياسة البيئية بعدد البلاغات والوعود، وإنما بما تراه في الهواء والماء والفضاءات العمومية وبما ينعكس مباشرة على جودة حياتها.
واللافت أن البلاغ لم يكتف بتشخيص الوضع، بل انتقل بوضوح إلى الجانب الانتخابي، معلناً دعم عادل ابن إبراهيم مرشحاً للحزب بالدائرة التشريعية للمحمدية، مع الترحيب بتزكية دليلة لوديي وكيلة للائحة الجهوية للنساء بجهة الدار البيضاء–سطات، وهنا تحديداً يصبح الخطاب السياسي أمام امتحان حقيقي.
فالدعوة إلى “نخبة سياسية جديدة” قوامها الكفاءة والنزاهة والمسؤولية تبدو جذابة سياسياً، لكنها تحتاج إلى ترجمة عملية، خصوصاً أن المواطن أصبح أكثر تشككاً في الخطابات الانتخابية التي تَعِدُ بالتغيير ثم تعود بعد الانتخابات إلى لغة الأعذار وتبادل المسؤوليات.
المحمدية لا تحتاج فقط إلى أسماء جديدة، بل إلى ممارسة سياسية جديدة: منتخب يراقب، ويسائل، ويترافع، ويقترح، ويتابع المشاريع، ويقدم للناخبين حصيلة قابلة للقياس.
وفي النهاية، فإن بلاغ التقدم والاشتراكية بالمحمدية يضع عدداً من الملفات الثقيلة فوق الطاولة، لكنه يفتح في المقابل سؤالاً أوسع من حدود الحزب والحكومة معاً: من يتحمل مسؤولية ما آلت إليه مدينة المحمدية؟
فلا الحكومة وحدها مسؤولة، ولا الجماعة وحدها، ولا المنتخبون وحدهم، ولا الإدارة وحدها. المسؤولية موزعة بحسب الاختصاصات، والمطلوب اليوم هو تحديدها بدقة، بدل تحويل معاناة السكان إلى مادة للسجال السياسي الموسمي.
وإذا كان الحزب يريد فعلاً صناعة “نخبة سياسية جديدة”، فإن أول اختبار لهذه النخبة لن يكون في المنصة الانتخابية، بل في قدرتها على تقديم أجوبة دقيقة حول “لاسامير”، والبطالة، والاستثمار، والبيئة، والنقل، والبنية التحتية، ثم الدفاع عنها داخل المؤسسات إلى أن تتحول من وعود إلى نتائج، فالمحمدية لا ينقصها الكلام، بل ينقصها الإنجاز الذي يراه المواطن ويشعر بأثره في حياته اليومية.
تعليقات الزوار