عقل الفقيه ج 3

نجيب الطلحاوي

  فـي تقديري الشخصي ، الكثير من الأحـكام الباطلة جــرت في غــياب امتلاك ملكة البحث و التدقيق في كتـب التــراث حيث الغالبة من أصـحاب هــذه الآراء بضاعتــهم في مــيدان التاريخ الإســلامي بضاعة مــزجاة يتـحركون بأحداث العصـر ليحاكمـوا العلماء و الفقهاء ، فلم يكلفوا أنفسـهم عــناء البحث الشاق في ميدان من أوغـل مجالات الحقيقة التاريخية خصوصا ما يتعلق منه بالشق السياسي حيث سادت صورا نمطية أدانت الفقيه و حــمَّــلته مسؤوليات التخلف السياسي .
يمكننا أذن أن نُـجملَ بعض أسباب و خلفيات الحملات المغرضـة على هـذا العقل في نــقاط منــها :

1 – سيطـرة القبضة المـادية على التاريخ : لـمـا صارت الجدلية التاريخية عند دعاتـها قانونا يحكم المجتمعات و أصبح الصراع الطبقي آلية الحراك الاجنماعي و ســُــلِّـمَ بقانون ” التناقض و وحدة الأضداد و صراعها ” كــأحد قوانين ” الديالكتيك ” صــار في عرف أصحابها أن بعض الفقهاء ( العلماء ) تحولوا إلـى حلفاء إقـطاع و الآخــر زعــماء اليسـار فقـاموا بتصنيفات طبقية عجيبة لـهذا العــقل لإثبات وجود صــراع طبفي و إلا فــهو صراع خفـى محكوم بقانون ” التحول من الكـم إلى الكيف ” ! .

2 – التأثــر بالدراسات الاستشراقية حول التاريخ : و نــظرا لكون العديد من اللائكيين محكومين بعقـدة نــقص تــجاه الآخــر الوافد الغربي ، فقـد انكــبوا على استهــلاك البحوث الاستشراقية الحاقدة علـى التاريخ – و من ضمنه أطرافه الفقهاء أكـبر الناس حضورا في حركته – استهــلاكا لا شعوريا وصلَ بهم الأمر إلـى اختزال التاريخ في صفحات الانقلابات و الصراع على السلطة و الاغتيالات و الثورات المتلاحـقة ، بالطـبع لــم يكن الفقيه إلا جـــزءا من هذه العمليات جعلتــهُ أحيانا عندهم مُــشــرِّع استبداد السلطة و أحيانا طالب دنيا .

3 – الخـلط بين رجل الدين و الفقيه : أمــام الاختراق الغربي لمنظومـة قيمنا و فرض تصوره الأحادي ، و لما كــان رجل الدين رمز الانغلاق و مناهضة ” الأحـرار ” و سببا من أسباب التخلف الاجتماعي و السياسي و الفكري غـــدا من الطبيعي جدا النـظر إلـى تاريخنا علـى منــوال إيقاعات الصراع الذي عرفتــه الغرب بين رجل الدين و رجل العلم ، فاستبدلت الأدوار و اختلطت الصور فصار الفقيــه أو العالم رجل دين و صار الفلاسفة أحيانـا رجال علم و تحرر فخــلقوا صراعا رغــم أنــف التــاريـــخ !

4 – سـوء تــفسير بعض المواقف الفُـقَهائية : شـخصية الفقيه كـانت شخصية رمـزية مُـؤثرة لا تـدانيها حتــى سلطة الدولة و أسياط الجلادين ، و كــلمـة الفقـيه كانت مسموعـة أكثـر من أي شـخص آخــر لأنــه يــعبِّــر عن هموم الأمـة و سلطة العالم في مواجـهة الظلم ، و النـاظـر في كتب الأقدمين يدرك حجم الحضور المكثف للفقيه في أي عــمل سواء كان سياسيا مرتبطا بالفتوحات الإســلامية أو مدنيا موصول بالحكـم بين النــاس ، فــكان من الطبيعي أن تتنوع مـواقف الفقهاء تــبعا لاجتهادات كل واحد ، و هذا التنوع في المواقف كــثيرا ما يُــساء فهمهــا من طرف المعاصرين فيسارعون بالإدانة حيث يعجزون عـن وضع الموقف في السياق المناسب أو يعممون موقف فقيه معين دونما نـظر في الملابسات و الحيثيات المتغيرة ، فمــثلا الموقف من مشروعية السلطـة الجائرة  سواء كانت أموية أو عباسية غالبا مـا تُــختَــزل في الولاء المطلق و الاعتراف بالشرعية دون النظر في التعقيدات السياسية التي كان الفقيه يواجهها تحت قـهر السيف الملوكي ( يُــنـظر كتاب الفقه السياسي : مقاربة تاريخية .
د محمد محمد أمزيان و كتاب الإسلام بين العلماء و الحكام تأليف : د عبد العزيز البدري ) .
و من أمــثلة ســوء تفسير بعض المواقف أيضا ” تنــصل ” الفقهاء من تولي المناصب القضائية حــتى رأى فيها البعض دليلا على نزعة الأليكة المبكرة ( يُــنظر كتاب قبل السقوط لفرج فودة و رد ذ منير شفيق و عبد المجيد صبح في : بين النهوض و السقوط و كتاب تهافت قبل السقوط و سقوط صاحبه ) .

5 – تصرفات فقهائية معاصـرة : فكثيرا من الفقهاء المعاصرين أســاءوا لتاريخـهم حينما تــخلوا عن واجباتــهم و مسؤولياتهم الدينية فاشتغــلوا بالفروع المُــهملَـة و تركوا قضايا الأمـة الإسلامية فصمتوا و زادوا بالإفتـاء بالقعود ، بــل و نجد من “الفقهاء” من انشغلوا بالتشعوذ و فك الطلاسم و قضايا لا علاقة لها بالتاريخ الفقهائي حيث أنتجـوا و ضحوا و كافحوا و بصموا تاريخهم بصور البطولة و العزة.

  إن من الطبيعــي أن تنـزع الكتابات اللائكيـة إلـى تـهميـش مكـانة الفقيـه الوظيفية ليس فقط علـى مستوى الراهـن السياسي و الاجتماعي بل حتى على مستوى واقع التاريخ الإسلامي الذي شـهـد حضورا مكثـفا في رسـم معالم الحضارة إن سلبـاً – و هذا محدود في نظرنا – أو إيـجابا ، و قــد فــرض هـذا الحضور الوازن نفسه لاعتبارات متنوعة نجمل بعضهـا في ما يلي:

–   منـهـا كـون المجـال التداولي الإســلامي و المناخ الذي أفرزتــه المقتضيات العقدية و اللغوية أعـطـى للفقيـه شروط التحرك الايجابي و منحــه القدرة علـى الاندمـاج السريـع وسط القاعدة ” الشعبية ” العريضة و هــيأ لــه أسباب الجرأة السياسية و الأدبية و الاجتماعية في التحدي الذي فرضـه واقع كان متسـما بالتسلط السياسي الجبري للدولة و بظهـور كيانــات ثقافية دخيلة خارج المجال أرادت زرع مقتضياتهـا تحت ذرائــع متعددة.

–  و منـها مـا يعود إلـى طبيعـة هـذا المجال نفسـه حيث اختُــص بكونـه مجالا عملانيـا مــيـزه عن المجال اليوناني النظري/مثلا ( و سـماه الفيلسوف طه عبد الرحمان بحضارة القول في كتاب سؤال الأخـلاق ) ، و لــمّــا كانت وظائـف الفقيه بالأســاس مرتبطـة بواقـعه الحي بمستوياتــه المتعددة حيث انفـرد بمَــهمّـة استنبــاط الحكم من أدلتــه التفصيليـة دون غيره صــارَ حضوره في التاريخ الإسلامي لازمــا من لوازمــه.

–    و منهـا أن عقــل الفقيه عقل مشــدود في نهاية المطاف إلــى مـرجعية الإســلام في تــدبير أمــور المعاش اليومية يَــهُــمّـهُ أن يُـقدِّم للسائل اجتــهاده إن كانت القضية مستحدثة ، و يعتــبر نفسـه مسؤولا عن هـذه المَــهمة الدينية .
و هـذا الانشـداد جعـله في كثير من المناسبات معرَّضــا للمحـن و فتن الظالمين الذين يجتــهدون في صــرف الناس عن مطالبهـم و حقوقهــم السياسية ( يُــنظَـر الأمثلة في كتاب الإسلام بيم الحكام و العلماء ل عبد العزيز البدري ).
علـى أنّ صــدع الفقـهاء بالأمـر أو النهـي و الالتزام بالإسلام معيارا رفعــهُـم في أعلــى عليين داخل المجتمع و قـدّم لهم صورة قيادية لم تترك مجالا للناس لمخاصمته فاصطفًَّــت وراءه أحيانا في مــواجــهة الظلمة القابضين على السلطة بحد السيف .

 

–   و منها أن عقل الفقيه التاريخي عقل اجتــهادي بالأسـاس ، فبخلاف فترات تاريخية ارتبطت فيها جمود هذا العقل عن الإنتاج بظروف سياسية استبدادية و مجتمع مفتون بصراع مذهــبي مقيت فإنّ العقل الفقهي لـم يتوقف عن صناعـة المعرفة الفقهية و الاجتهاد في إيجــاد الحلول لزمان عصره كلّ من زاويته الخاصة و ذلك بالرغم من الضغوطات التي كان يتعـرض لها من جانب السلطة القائمة و التي أبعدتــهُ في غالب الأحــيان عن مصادر القـرار مــمَّــا حــرَمَ الأمــة من اجتهادات كانت ستفضـي حتمــا إلـى إنتــاج آليات سياسية تخص نظم الحكم و سياسة تدبير المعاش ، لكن و مع هـذا فإن الفقيه حــافظَ على قيادته الدينية و زعامته السياسية و ظــلَّ يتصدّرُ قائمة المغضوب عليهم.

–         و منها أن عقل الفقيه لم يكن يترك مجالا للإحباط و اليأس في دعوتــه ، فتميزت مسيرته بكونها مسيرة جــهاد نفسي و معرفي و سيفي أيضا ، و لــم تكن مـظالم الدولة الظالمة تــنال من عزيمتــه أو تــثنــيهِ عن الدعوة إلـى دولة القرآن بخــلاف من آثــروا الانـزواء و الحديث عن مُــثُــل مفصولة عن متغيرات الواقع ، و لــعل محنـة الفقــهاء داخـل السجون و صمودهـم دليل على قوة إيمانهـم بقضيتهم و قضية أي مسلم .
يتــفـرع من هــذا المعطـى كون أن الفقيه مِــن أكثر الناس إلتصاقــا بهموم الأمــة و مشاكلها سـواء تلك المرتبطة بالحقوق ” المدنية ” أو السياسية ، نــاهيك عن كون عقله يتجاوز الإســار الإقليمي الضيق ليمتدّ إلـى كل البقاع الإسلامية دونـما اعتبار للنزعات الإثنية و الجغرافية .

لــقد كــان الفقيه بحق يمــثِّــل الشخصية المناسبة للقيادة نــظرا لعطائه و تفاعله ، و قــد انتشـروا في البلاد الشاسعة بعد الفتوحات الإسلامية يعلمون الناس أحكام دينهم لا يخافون في الله لومة لائم تنفيذا لبيعة الصحابة للنبي عليه السلام .
عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله تعالى فيه برهان وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم .
ظـل الأمــر على هــذا الحال و وقع تحــوّل كبير في نظام الحكم و استبد من استبد بالسلطة و وجد الفقهاء أنفسهم أمام واقع شـذ عن المعاييرالتي مثلت تجربة النبوة و الخلافة الراشدة المرجعية المؤسسة للسياسة الشرعية ، و اختلف الفقهاء حول تجربة الحكم الذي فرض نفسه بقوة الشوكة و الغلبة دونما اعتبار لحف الأمة في الاختيار ، فمنهـم من رجح حسه الفقهي الحفاظ على وجود وحدة الأمة رغم انحراف الهرم السياسي فاجتهـد لتسويغ السلطة القائمة على ” الشرطة ” فتحدثوا عن ” المستبد العادل ” و الحفاظ على بيضة الإسلام جلبا للمصلحة و دفعا لمفسدة الفتنة ، و منهم من أعلنوهـا خروجـا على حكم السيف بحد السيف و نظروت إلـى افتــقاد الحكم العادل كأساس للشرعية و الاستقرار.
فــقــهاء كــان لا بــد أن يختلفوا حول الحدث الحدث الجلل ، منهم من كـان همه عودة الجماعة حتى على أنقاض الحكم المستبد و منهم من فبِــلَ بالأمر الواقع و سعى في المقابل إلى محاصرة رجل السلطة و مفاصلته أدبيا و اجتماعيا لنزع الشرعية و إكساب الأمة الوعي المطلوب بفساد سلطة القهر و الغلبة .

إن مــا يجمــع الفقهــاء انخــراطهم الفعلي في ســاحة التدافعات السياسية و الاجتماعية و إبراز قدرتــهم علـى مــواجهة البدع السياسية و الدينية ( نظرية الجبر الأموية مثلا ) ، كــل ذلك كــان يتم بعقل حصيــف و لغة فصيحــة متناسقة مع المجال التداولي الإسلامي ، و من يــقرأ كتب التاريخ و نماذج الفقهــاء الذين كانوا يخاصبون رجل السلطة يدرك بجلاء كم كان الفقيه ذكيا ذكــاء السياسي الشرعي لا ذكــاء السياسي المنافق .

    من فقــهاء علماء أقوياء أمنــاء إلــى فقهــاء منهم من آثروا الصمت لحكمة واقعية إلــى فقهــاء بلاطيون أخلدوا إلــى الأرض فصــاروا مثلا في التهكم .
حــال الفقيــه اليوم أشبه بحال السياسي الموظف أو قل أشبه بحال اللافقيــه أيام زمانــه.

و لله الأمــر من قبل و من بــعد

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد