فاطمة.أوحسين – الحسيمة
يتصاعد الغضب في الأوساط الطلابية والتربوية بالحسيمة بعد الاختفاء المفاجئ لمسلك اللوجستيك والهندسة الصناعية من العرض البيداغوجي للمدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية بالحسيمة، رغم أن المؤشرات السابقة كانت تفيد بقرب إطلاق هذا التخصص ابتداء من الموسم الجامعي المقبل، وهو قرار أثار موجة من التساؤلات والاستغراب، خصوصاً في ظل غياب أي توضيح رسمي يفسر للرأي العام أسباب التراجع عن فتح هذا المسلك الذي كان يعول عليه الكثير من الطلبة.
فبالنسبة لعشرات التلاميذ الذين رسموا مساراتهم الدراسية بناء على هذا التخصص، لم يكن الأمر مجرد تعديل تقني في العرض التكويني، بل ضربة موجعة لآمالهم في متابعة دراساتهم العليا في مجال يعد من أكثر المجالات طلباً في سوق الشغل الوطني والدولي.
فالهندسة الصناعية واللوجستيك لم يعودا تخصصين ثانويين أو محدودي الأثر، بل أصبحا من ركائز الاقتصاد الحديث، ومحوراً أساسياً في تنافسية الدول والمقاولات والموانئ والمنصات الصناعية.
وما يزيد من حدة الاستغراب أن هذا القرار يأتي في لحظة تعرف فيها جهة الشرق تحولات اقتصادية كبرى، على رأسها المشاريع المرتبطة بميناء الناظور غرب المتوسط وما يرافقه من استثمارات ضخمة في مجالات النقل والخدمات اللوجستيكية والصناعة والتصدير.
لذلك يتساءل كثير من المتابعين: كيف يمكن الحديث عن مواكبة التحولات الاقتصادية للمنطقة، في الوقت الذي يتم فيه حرمان الطلبة من تخصص يرتبط بشكل مباشر بهذه الأوراش الاستراتيجية؟
إن منطق التنمية يقتضي أن تواكب الجامعة حاجيات محيطها الاقتصادي، وأن تتحول المؤسسات الجامعية إلى خزانات للكفاءات القادرة على الاستجابة لمتطلبات المشاريع المستقبلية. أما إلغاء تخصصات واعدة في منطقة تحتاج إليها أكثر من غيرها، فإنه يبعث برسائل سلبية حول مدى انسجام السياسات التعليمية مع الرهانات التنموية المعلنة.
ويرى مهتمون بالشأن الجامعي أن اللوجستيك والهندسة الصناعية يشكلان اليوم مفتاحاً أساسياً للولوج إلى سوق الشغل في قطاعات حيوية تشمل النقل البحري والبري والجوي، وسلاسل التوريد، وإدارة المخازن، والإنتاج الصناعي، والتجارة الدولية، وتدبير المنصات المينائية. وهي مجالات تعرف طلباً متزايداً على الكفاءات المؤهلة، ليس فقط بالمغرب، بل على المستوى الدولي.
كما يثير هذا القرار مخاوف حقيقية من تعميق الفوارق المجالية في الولوج إلى التكوينات الحديثة، حيث يجد طلبة الحسيمة أنفسهم مجبرين على مغادرة مدينتهم ومتابعة دراستهم في مؤسسات أخرى بمدن بعيدة، وما يرافق ذلك من أعباء اجتماعية ومادية إضافية على الأسر. وهو ما يتعارض مع فلسفة تقريب التعليم العالي من المواطنين وتحقيق العدالة المجالية في الاستفادة من فرص التكوين.
وأمام هذا الوضع، تتعالى الأصوات المطالبة من الجهات الوصية، سواء على مستوى وزارة التعليم العالي أو رئاسة الجامعة وإدارة المؤسسة، بتقديم توضيحات رسمية حول الأسباب الحقيقية وراء حذف هذا المسلك، والكشف عما إذا كان الأمر يتعلق بإكراهات تقنية أو بيداغوجية أو مالية، أم أن هناك اعتبارات أخرى حالت دون إخراج هذا المشروع إلى حيز الوجود.
فالحسيمة، التي ظلت لسنوات تطالب بمزيد من الاستثمارات وفرص التكوين والتشغيل، لا يمكن أن تظل متفرجة على تخصصات المستقبل وهي تُمنح لمناطق أخرى بينما تُحرم منها هي دون مبررات مقنعة.
لذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح هو: من المستفيد من إقصاء مسلك اللوجستيك والهندسة الصناعية؟ ومن يتحمل مسؤولية حرمان شباب المنطقة من فرصة أكاديمية كان من شأنها أن تفتح أمامهم آفاقاً واسعة في عالم يتجه أكثر فأكثر نحو الاقتصاد اللوجستي والصناعي
إن الرهان اليوم لم يعد فقط فتح تخصص جديد، بل يتعلق بحق جهة بأكملها في التوفر على عرض جامعي ينسجم مع مؤهلاتها الاقتصادية وطموحات شبابها، ويجعل من الجامعة رافعة حقيقية للتنمية بدل أن تتحول إلى عنوان جديد من عناوين الإحباط والهدر الصامت للفرص.
تعليقات الزوار