من صنع التلميذ الغشاش؟

أحمد اضصالح

سؤال طرحته على الجدار الأزرق بحر هذا الأسبوع، فتمخّض عنه أزيد من عشرين جوابا، جلّها تتمحور حول الأسرة والمنظومة التربوية والمجتمع، والإهمال والتّهميش والدّولة والظّروف وضعف منسوب الوعي.
.

قد تكون هذه الرّدود –نوعا ما- انعكاسا لمستوى المجيب، وقد تكون أيضا صورة لنمط التّفكير الذي يغشى الكثيرين منّا عند الحديث عن منظومة معقّدة لا يُدرى أوّلها من آخرها، وقد تكون شيئا آخر بعيدا عن ما يختلج صدورنا، لكن، لا أحد ينكر مصداقيتها مجتمعة، ذلك أنّنا إزاء ظاهرة تناولها غير واحد في طيّات البحث والتّقصّي من زوايا متعدّدة.

إنّ الغشّ المدرسي يعدّ اليوم واحدة من أكبر المعضلات التي تعيش على وقعها المدرسة المغربية، وظاهرة استفحلت حتّى أضحت قاعدة تحاول بعض الأطراف إخفاءها بتحرّكات مقيّدة، تارة بإعلان اعتقالات زجرية، وتارة أخرى بتبريرات واهية تنفي التّهمة عن الجلاّد، أضف إلى هذا، الإنكار المطبق الذي تتعمّده المؤسّسات المتدخّلة في الفعل التّربوي اتّجاه المدرسة في وضعيتها الحالية، كلقيط يتقاذف نسبه رجال كثر، فأضحى تركيب جواب واضح المعالم للسّؤال أعلاه ضربا من المستحيلات، ما لم يتم تشخيص الدّاء، واستحضار إرادة حقيقية لمجابهته.

لو رجعنا إلى تفكيك البنيات المركّبة للمدرسة المغربية لوجدناها بحقّّ تربة خصبة لتكوين “الغشّاشين”، فالمنهاج الدّراسي يعتمد بالأساس على شحن أدمغة المتعلّمين بكثرة المعارف والمفاهيم ومطالبتهم بعدها ب”اجترارها” عند كلّ اختبار، والبيداغوجيّات المعتمدة اليوم أقرب إلى تقييد الفكر وتحديده من منحه فرص الإبداع والخلق والابتكار.
أما الوسط المدرسي فيعجّ بمظاهر الخداع، بدءا ببناية المؤسّسة وكيفية تشييدها، وانتهاء بالممارسات التي تصدر من المربّين على اختلاف مهامّهم ومستوياتهم.
.

ولو تمعّنّا في المجتمع، لوجدناه بيئة خصبة لاحتضان كلّ مظاهر الغشّ وإضفاء نوع من الشّرعية عليها عبر توصيفات تبدو في ظاهرها مستساغة، فأصبحت الرّشوة مجرّد “قهوة” تمنح للموظّف نظير عمل يقدم عليه، والغشّ في الموادّ التّجارية مسألة تحسب للتّاجر وتجعله ناجحا بين أقرانه، والغشّ عند البنّاء ذكاء، وعند الإسكافي والبستاني أيضا، وعند أرباب الشّركات خبرة في مجال التّسويق، وهكذا.
.
.

أمّا غالبية السّاسة فلا أجد لهم في الغشّ غير أرضية خصبة للوصول إلى الكراسي الوتيرة، والاستمرار فيها، وإنتاج مشاريع أولى المبادئ فيها الغشّ والمكر والخديعة، والنّماذج كثيرة في ربوع الوطن الحبيب، دون أن ينتج عن كلّ هذا محاسبات ومتابعات ومراجعات.

وكثيرة هي الأسر التي تبني أسسها على المكر والخديعة، بين الرّجل والمرأة، قبل الزّواج وبعده، عبر ممارسات منحرفة تلتقطها حواسّ الأبناء ضدّا عن الفطرة الأولى.
.

أمّا الإعلام الرّسمي عندنا فلا تكاد تخلو أجنداته اليومية من مشاهد تؤسّس لهذا السّلوك، وتتّخذه أنموذجا للنّجاح، في مسلسلات مدبلجة تبني سيناريوهاتها المعقّدة والطّويلة حول الخيانة الزّوجية وكافّة أنماط “العشق الممنوع”، وتسويق أخبار تافهة في نشرات مملّة، وبيع الوهم في إشهارات تظهر الجانب الموحش في رأسمالية القرن الواحد والعشرين.
.

وبين هذا وذاك، يقف المتعلّم عاجزا أمام قيود كثيرة تكبّله، وتصوّر له المستقبل مظلما، وتزرع فيه كلّ معاني الشّؤم، وتفتح له الأعين على واقع غير الذي يتمنّاه، فيتّخذ في النّهاية القرار السّهل عند كلّ استحقاق.

هي إذن، صناعة مشتركة بين متدخّلين كثر، ونتاج طبيعي لتضافر عوامل شتّى لكنّها في النّهاية سهلة التّشخيص.
فيما الواقع يحكي مرارة غياب إرادة حقيقية لهذا التّشخيص، وبالتّالي البحث عن دواء فعّال، فصارت التّرقيعات الزّجرية ملاذا للقائمين على هذا الشّأن حتّى حين، قصد تهدئة وتنويم الوضع وجعله تحت رحمة وباء الغشّ الفتّاك الذي لا يتوانى في التّكاثر عبر خلايا مجتمعية مريضة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد