ندوة بالرباط تُشخّص الواقع الحقوقي وتُحمّل الدولة مسؤولية “الفساد الممنهج”

هبة زووم – الرباط
حذّر حقوقيون من خطورة تفشي الفساد في المغرب، مؤكدين أنه لم يعد مجرّد خلل إداري أو اختلال عرضي، بل تحوّل إلى ظاهرة بنيوية تهدد الحقوق الأساسية وتُقوّض أسس دولة القانون. وأبرز المتدخلون في ندوة فكرية بالرباط أن هذا الواقع يُعمّق الفوارق الاجتماعية، ويحول دون التقدم في مسار بناء ديمقراطية حقيقية.
الندوة، التي نظّمتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان تحت عنوان “واقع الحقوق والحريات وأهمية العمل الوحدوي للحركة الحقوقية والديمقراطية في مواجهة الاستبداد والفساد والتطبيع”، تندرج ضمن فعاليات التحضير للمؤتمر الوطني الرابع عشر للجمعية.
“فساد نسقي مزمن” يُقوّض الدولة
في مداخلة لافتة، اعتبر محمد قطاية، عضو المكتب التنفيذي للجمعية المغربية لمحاربة الرشوة (ترانسبرانسي المغرب)، أن المغرب يعيش منذ أكثر من عقدين حالة من “الفساد النسقي المزمن”. وأرجع السبب في ذلك إلى غياب الإرادة السياسية لمواجهة الظاهرة، ما سمح بتمركز الفساد داخل مفاصل الدولة، وتغوله على حساب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية للمواطنين.
وأشار قطاية إلى أن “تجميد الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد” أسهم في تراجع المغرب على مستوى مؤشر إدراك الفساد، باعتبار أن هذا المؤشر يرتبط ارتباطًا عضويًا بالحريات العامة ودولة القانون. وأضاف: “كلما ترسخت الديمقراطية، تراجع الفساد… والعكس صحيح”.
“استدامة الفساد” وتواطؤ سياسي
وذهب الفاعل الحقوقي إلى حد اتهام الحكومة الحالية بـ”استدامة الفساد بشكل معلن”، من خلال تساهلها مع تبديد المال العام وغياب المحاسبة، وهو ما اعتبره انتهاكًا صارخًا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما انتقد موقف وزير العدل الرافض لتجريم الإثراء غير المشروع، معتبرا أن التذرع بقرينة البراءة “ليس إلا غطاءً لحماية المتنفذين على حساب المواطنين”.
ولم تُخفِ مداخلة قطاية انتقادها لإضعاف مؤسسات الرقابة الدستورية، والتشكيك في تقاريرها أو تجاهلها بالكامل، في مسعى واضح – حسب تعبيره – “لإفراغها من أي دور رقابي حقيقي”.
كما سجل خرقًا متكررًا لمبدأ تضارب المصالح من طرف مسؤولين حكوميين دون محاسبة.
معركة الحقوقيين: الاستقلال والتمكين
من جانبها، شددت وفاء أكوزول، عضوة منظمة العفو الدولية (فرع المغرب)، على أن الحركة الحقوقية تشكل حجر زاوية في بناء دولة الحق والقانون، من خلال دفاعها المستقل عن الحريات، بعيدًا عن الاصطفاف السياسي أو النقابي.
وأبرزت أكوزول أن الاعتراف القانوني الكامل بالجمعيات الحقوقية وتمتيعها بصفة المنفعة العامة وبحق الترافع أمام القضاء، يعد ضرورة ملحة لتمكينها من أداء دورها في مناهضة الفساد والانتهاكات.
كما طالبت بمنحها صفة “مراقب” داخل الهيئات التشريعية والمؤسسات العمومية، وبتأمين موارد مالية مستقرة تضمن استقلالية قرارها.
وشددت المتحدثة على أهمية الديمقراطية الداخلية والمساءلة والشفافية داخل التنظيمات الحقوقية نفسها، لما لذلك من دور في تعزيز ثقة الشركاء والرأي العام، وضمان استمرارية العمل بعيدًا عن منطق ردود الأفعال الفجّة.
إعلام حقوقي شعبي ومؤثّر
وفي ختام مداخلتها، دعت أكوزول إلى اعتماد استراتيجية إعلامية قوية، قادرة على تبسيط الخطاب الحقوقي وجعله أكثر قربًا وتأثيرًا في الوعي الشعبي، مشيرة إلى أن “المعركة ضد الفساد لا تكتمل بدون مواكبة إعلامية ذكية تنقل الحقائق وتفضح التجاوزات بشكل مفهوم وعادل”.
وختمت بالتأكيد على أن استقلالية المجتمع المدني وثقة السلطات فيه يجب أن تبنى على قاعدة احترام متبادل، وأن وجود قضاء مستقل ونزيه يبقى حجر الأساس في تحقيق أي انتقال ديمقراطي حقيقي في المغرب.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد