هبة زووم – إلياس الراشدي
عندما وقف نيرون على شرفة قصره يتأمل روما وهي تحترق، لم يكن مشغولًا بإنقاذ المدينة بقدر ما كان مفتونًا بالرماد المتصاعد من حضارتها.
اليوم، وبعد سنوات من “الإدارة بالنار الهادئة”، يترجّل محمد الشنوري عن مكانه بعد أن “أتى على الأخضر واليابس”، تاركًا خلفه مؤسسات مثقلة بالتردد، وإرثًا إداريًا مثيرًا للجدل. وبين “مستراح منه” و”البديل الضعيف”، يترنح إقليم خريبكة في مسرح عبثي، لا ينقصه سوى جمهور يصفق للنهاية.
لقد صار استغلال النفوذ في بعض الإدارات عرفًا غير مكتوب، يتوارثه الخلف عن السلف دون مساءلة أو مراجعة، ليس مجرد موظف حُرم من ترقية مستحقة، أو إطار كُسرت روحه بعد أن أُقصي من منصب، بل نزيف مستمر للمعاني والقيم داخل المرفق العمومي، حيث أضحى الاستحقاق مثيرًا للسخرية والعدل ترفًا فكريًا.
عندما تُوزَّع المناصب عبر شبكات الولاء، لا عبر الكفاءة، تولد ظاهرة “الاستقرار الزائف”، حيث تُدار المؤسسات بمنطق توريثي، كأنها ملكية خاصة لا مرفق عمومي.
وتتحول حينها البيروقراطية من مجرد آلية تنظيمية إلى آلة لإعادة إنتاج الرداءة وإقصاء الطاقات الشابة، وتُصاب المرافق بالجمود، ويُقتل الأمل في التغيير.
في عهد العامل السابق، لم يكن مجرد التدبير هو المشكلة، بل خطاب الوَعي الزائف الذي كان يُسوّق وكأنه مشروع إصلاح، بينما الواقع يقول شيئًا آخر.
كان الشنوري، بحسب خصومه، يتقن فن التمثيل السياسي، يرتدي عباءة الواعظ تارة، ويطلّ بدور الضحية تارة أخرى، وكل ذلك وسط جوقة إعلامية محلية مطواعة لم تكن ترى سوى وجه واحد للعملة.
اليوم، ومع تعيين عامل جديد ـ يُوصف في الأوساط الإدارية بـ”الضعيف والبارد” ـ لا يبدو أن الإقليم على موعد مع إصلاح جذري، بل إن كثيرين باتوا يرون في المرحلة المقبلة مجرد فترة انتقالية باهتة، تتقن الاستمرار في الدوران داخل نفس الحلقة المفرغة: “الكلام كثير، والفعل قليل”.
كما قال الفيلسوف لمرافق نيرون: “إذا ماتت المعاني في شعب، فقل على النهوض السلام”، وهذا بالضبط ما يعاني منه الإقليم اليوم، مؤسسات تائهة، نخبة مرتبكة، وشعب يدفع الثمن.
وإلى أن يستفيق الجميع، ستبقى خريبكة تحت رحمة المعادلات الفاسدة التي تخلط بين الولاء والكفاءة، وبين الصوت العالي والسياسة الحقيقية.
تعليقات الزوار