فاس.. حين يتحوّل أطفال الشوارع إلى “بضائع بشرية” في عهد الوالي الجامعي

هبة زووم – فاس
في قلب العاصمة العلمية فاس، تسير الحياة كأن شيئاً لم يحدث، بينما مشهد مأساوي يتكرر كل ليلة على أرصفة الشوارع: أطفال ومراهقون، بعضهم من خارج المدينة، يتوسدون الأرض ويلتحفون السماء، بعدما قضوا نهارهم في التسول وطلب المساعدة من المارة.
مشهد الإفلاس الإنساني الذي يُخيم على المدينة يُنذر بكارثة اجتماعية وإنسانية صامتة، في ظل غياب المقاربة الأمنية والوقائية.
في عهد الوالي معاذ الجامعي، تشهد المدينة تزايداً غير مسبوق في عدد “أطفال الشوارع”، وسط ركود اقتصادي واجتماعي خانق، ساهم في تسرب العديد من القاصرين إلى الشارع. مصادر محلية ترجّح أن يكون سبب هذه الطفرة المفاجئة نزوحاً جماعياً من مدن ومناطق فقيرة نحو فاس، هرباً من الفقر والحرمان، لتصبح المدينة نقطة تجمع لهؤلاء، في غياب أي خطة واضحة من السلطة الإقليمية أو الجماعة.
هؤلاء الأطفال ليسوا مجرد متسولين، بل ضحايا نظام اجتماعي متهالك، وبيئة تُهيئهم للاستغلال بكل أشكاله: الجنسي، والاقتصادي، والإجرامي.
وفي ظل غياب تدخلات حقيقية من طرف السلطات المحلية، وعلى رأسها العمالة والمصالح الأمنية والاجتماعية، تُطرح علامات استفهام كبيرة حول من يتحمل المسؤولية في حماية هؤلاء الأطفال من الجريمة والانحراف والإتجار بالبشر.
الظاهرة ليست وليدة اليوم، لكنها بلغت مستوى يُهدد النسيج الحضري والأمني للمدينة. المفارقة المؤلمة أن مدينة فاس، التي طالما شكّلت مرجعية للعلم والدين والحضارة المغربية، تتحول تدريجياً إلى مسرح مفتوح لمعاناة الطفولة والتشرد، في وقت يغيب فيه الدور الحقيقي للمؤسسات التي يُفترض أنها وُجدت لحماية هذه الفئات.
السؤال المحوري: أين الوالي؟ أين والي الأمن؟ أين لجان حماية الطفولة؟ هل أصبحنا نتعايش مع ظواهر الانحراف والتشرد وكأنها قدر لا مفر منه؟ أم أن الدولة قررت أن تدير ظهرها لهؤلاء الفتية، وتتركهم لقسوة الشارع وقوانينه الوحشية؟
الواقع أن ظاهرة “ملائكة الشوارع” لم تكن لتبلغ هذا الحد لولا الانهيار التدريجي في المنظومة الاجتماعية المغربية، التي كانت تُمارس نوعاً من الرقابة الذاتية على أبنائها، عبر روابط الدم والجوار والقبيلة. اليوم، تحوّلت الأسرة إلى وحدة هشّة، لا تقوى على حماية نفسها، فبالأحرى أن تحمي أبناءها، خاصة في ظل انسحاب الدولة من أدوارها الاجتماعية، وتراجع المؤسسات التربوية والدينية.
إن مشهد الأطفال وهم يتوسلون الطعام في شوارع فاس، ثم ينامون على الأرصفة، يجب أن يُحرك ضمير المسؤول قبل قلم الصحفي، هؤلاء ليسوا أرقاماً في تقارير إحصائية، بل أرواح حقيقية تُذبح ببطء تحت أنظار الجميع. وكل تأخر في التدخل، هو شراكة غير معلنة في هذه الجريمة الجماعية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد