هبة زووم – أحمد الفيلالي
في قلب مدينة سطات، وتحديداً بشارع مولاي سليمان التابع للملحقة الإدارية الأولى، تنقلب المفاهيم وتضيع الحدود بين ما هو عمومي وما هو خاص، حيث يترنح الملك العام تحت وطأة عربات الخضر والفواكه ومكبرات الصوت، وسط صمت مريب من طرف السلطات المحلية، وكأنها تخلّت عن دورها في حماية المجال المشترك.
لم يعد الأمر يتعلق باحتلال عرضي أو عشوائي لبعض الأمتار، بل أصبح احتلالاً منظماً وشاملاً للشارع بأكمله، وكأننا أمام سوق أسبوعي لا أمام شارع حضري وسط عاصمة إقليمية لها من التاريخ ما يجعل هذا المشهد مشيناً ومرفوضاً.
الراجلون يُزاحون إلى قارعة الطريق، والمارة يُجبرون على التفاوض مع العجلات، بينما تصدح مكبرات الصوت من كل صوب، في مشهد يختزل الفوضى والانفلات.
المثير للدهشة أن كل هذا يحدث بمباركة تبريرية متكررة: “خليهم مساكن يترزقو الله”، وهي جملة تحوّلت من تعبير عن التعاطف الاجتماعي إلى مبرر للفوضى وضرب القانون، تُشرعن بها الفوضى، ويُعلق عليها تقصير المسؤولين.
لكن، منذ متى كان طلب الرزق عذراً لتقويض النظام العام؟ ومن منح الشرعية لتحويل الشارع إلى ملكية خاصة بكراء مجاني وأصوات صاخبة؟
الأدهى أن هذه الممارسات لا تتم خفية، بل في واضحة النهار وأمام أنظار الجميع، بما في ذلك السلطات المحلية التي يفترض أنها مُوكلة بتحرير الملك العمومي وضمان تساوي المواطنين في الاستفادة من الفضاءات العامة.
فهل استسلمت هذه الجهات للابتزاز الاجتماعي؟ أم أنها اختارت سياسة النعامة، تغمض عينيها عما يجري وتكتفي بإحصاء الخسائر؟
إن ما يجري بشارع مولاي سليمان ليس مجرد فوضى، بل إعلان إفلاس لمنظومة التدبير الحضري، وتآكل خطير في سلطة الدولة محلياً. فقد تحوّل مفهوم “الحق في المدينة” إلى شعار أجوف، بعدما رُدمت الحدائق العمومية، وأُغلقت المتنفسات، وبات المواطن يُطارد الراحة في زوايا مدينة خانقة.
فهل المطلوب من السطاتيين أن يُكيّفوا أنفسهم مع واقع السوق المفتوح في كل شارع؟ أم أن الوقت قد حان لوقفة صارمة تستعيد هيبة القانون وكرامة المدينة؟
اليوم، يمكن القول أن صمت السلطة أمام هذا التدهور ليس فقط تواطؤاً ضمنياً، بل هو بمثابة ضوء أخضر للفوضى كي تواصل تمددها. أما المواطن، فقد تعوّد – مكرهاً – على التضحية بسلامته وحقه في الراحة، في مدينة صارت شاهدة على انسحاب الدولة من مجالها العمومي، وتركه نهباً لعربات ومكبرات لا تعترف لا بقانون ولا بجوار.
تعليقات الزوار