الطريقة الشرقاوية في مرمى الانتقادات خلال نهائيات “تبوريدة الحسن الثاني”

هبة زووم – الرباط
في قلب العاصمة الرباط، وتحديدًا بحلبة دار السلام، تتواصل فعاليات نهائيات جائزة الحسن الثاني لفنون الفروسية التقليدية “التبوريدة” لسنة 2025، وسط أجواء احتفالية تراثية تحتفي بإرث مغربي عريق يمتد قرونًا من الزمان.
غير أن هذه الدورة لم تمر دون إثارة الجدل، خصوصًا بعد الأداء الذي قدمته السربتان الممثلتان للطريقة الشرقاوية، القادمتين من إقليمي سطات وخريبكة.
فالطريقة الشرقاوية، التي لطالما اعتُبرت مدرسة في الأصالة والانضباط الفني في ميدان التبوريدة، بدت هذا العام وكأنها تعيش أزمة هوية، بعدما أظهر فرسانها مستوى دون التوقعات، متأرجحًا بين التسرع في الطلقة الجماعية والاضطراب في تنسيق الحركات.
هذا التراجع لم يمر مرور الكرام، بل أثار موجة استياء في أوساط المتابعين والمهتمين، الذين رأوا في ما حدث انزياحًا واضحًا عن النمط التقليدي الأصيل الذي ميز هذه الطريقة لعقود.
أكثر ما أثار حفيظة الجمهور والمهنيين هو ما وُصف بـ”الدخيل على التبوريدة”، حيث اعتمد بعض الفرسان على تقنيات غريبة لتثبيت أيديهم على اللجام، أبرزها استعمال خيط يُعرف في الوسط الفروسي بـ”الصراع”، وهو وسيلة بدائية لتقوية القبضة وتفادي فقدان السيطرة على الحصان.
هذه الممارسة، التي قد تكون مفهومة في سياقات تدريبية أو ميدانية، لا مكان لها في التبوريدة الرسمية، لأنها لا تعكس سوى ارتباك في الأداء وقلة ثقة في الترويض.
وما زاد الطين بلة، خروقات تتعلق بلباس الفرسان، إذ لوحظ ارتداء عناصر غير مطابقة للباس التقليدي المعتمد في التبوريدة الشرقاوية، ما أعطى انطباعًا بالتهاون أو السطحية في احترام القواعد الشكلية التي تُعد جزءًا لا يتجزأ من الهوية الفنية للعرض، وهو ما طرح أسئلة حول مدى مراقبة لجان التحكيم لهذه التفاصيل التي تؤثر في التقييم، وتُعتبر معيارًا للتميّز بين المدارس.
من المعلوم أن شروط المشاركة في جائزة الحسن الثاني لهذا العام تنص صراحة على الالتزام الصارم بالأساليب التقليدية الأصيلة في اللعب والتنسيق واللباس، لكن يبدو أن بعض السربات اختارت سلك طريق “النجاعة التقنية” على حساب العمق التراثي، في محاولة لتحسين الأداء العام ولو عبر وسائل لا تمت إلى الأصالة بصلة.
هذا التوجه يُعطي ربما نتائج ظرفية في سلم التنقيط، لكنه يُفرغ التبوريدة من معناها الروحي والثقافي، ويحوّلها إلى مجرد استعراض تقني بلا جذور.
الأمر لا يتعلق هنا فقط بانزلاق فردي أو هفوة ظرفية، بل بمؤشر مقلق على خلل في التكوين وغياب التأطير داخل بعض السربات. وإذا كانت الطريقة الشرقاوية قد عُرفت تاريخيًا بالصرامة والالتزام، فإن ما وقع في نهائيات الرباط يجب أن يُنظر إليه كناقوس خطر، يستوجب من القائمين على الشأن التراثي والفروسي الوقوف عنده بجدية، وإعادة النظر في شروط التأهيل والتكوين، وتقييم أداء السربات ليس فقط عبر الطلقة أو الانضباط في السير، بل كذلك عبر مدى وفائها للنمط الثقافي الذي تنتمي إليه.
جائزة الحسن الثاني للتبوريدة ليست فقط مسابقة، بل مرآة للذاكرة المغربية الجماعية. وحين تُفرغ الطريقة الشرقاوية من محتواها، أو تُشوَّه عبر ابتكارات مغشوشة، فإننا لا نخسر نقاطًا في مباراة، بل نفقد شظايا من هويتنا.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد