هبة زووم – سطات
في قلب جماعة “رأس العين” بإقليم سطات، وتحديدًا مساء الأربعاء 9 يوليوز 2025، انطلقت فعاليات الدورة الثالثة من مهرجان سيدي أمحمد البهلول، الحدث الثقافي والاقتصادي الذي أضحى موعدًا سنويًا تنتظره ساكنة المنطقة والجهات المجاورة بشغف واعتزاز، تحت شعار: “إحياء التراث المادي واللامادي بسيدي أمحمد البهلول: دعامة أساسية لتثمين الموروث الثقافي”.
هذه الدورة لم تكن فقط استحضارًا لذاكرة الفقيد سيدي أمحمد البهلول، بما تحمله من دلالات تاريخية وإنسانية عميقة، بل شكلت محطة رمزية لإعادة ربط التراث بالتحولات التنموية، في محاولة جادة لتحويل الثقافة من طقس احتفالي إلى رافعة اقتصادية واجتماعية حقيقية.
رهان على التراث من أجل التنمية
من الواضح أن مهرجان سيدي أمحمد البهلول لم يعد مجرّد موسم احتفالي بطابع محلي، بل بات يحمل أبعادًا متعددة، اقتصادية وسياحية وثقافية، تعكس تطور رؤية المجتمع المدني والمؤسسات الداعمة لهذه التظاهرة، وعلى رأسها جمعية البهالة للفروسية والأعمال الاجتماعية والثقافية، التي أبدعت في تنظيم نسخة متكاملة، بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل، وبتنسيق مع شركاء محليين وجهويين.
المنظمون حرصوا على التأكيد بأن هذا الحدث السنوي هو فرصة ثمينة لخلق رواج تجاري مهم تستفيد منه العشرات من الأسر والباعة المتجولين والمهنيين المحليين، فضلًا عن مساهمته في تحريك العجلة الاقتصادية بفضل تدفقات الزوار وفرق التبوريدة والمشاركين من مختلف مناطق المغرب.
ففي المشهد الافتتاحي الذي حج إليه جمهور غفير، كانت التبوريدة، كفن تقليدي ضارب في عمق الهوية المغربية، هي العنوان الأبرز للفرجة والاعتزاز بالانتماء. 17 سربة من مختلف جهات المملكة قدمت عروضًا استثنائية، جسّدت العلاقة الروحية بين الفارس وفرسه، وسط زغاريد النساء، وتصفيقات الحاضرين، وأهازيج المجموعات الشعبية التي أضفت على المكان ألقًا خاصًا.
التبوريدة لم تكن فقط استعراضًا للمهارات، بل شكلت رسالة رمزية قوية عن تشبث المغاربة بتراثهم الأصيل، واستمرار الأجيال في حمل مشعل ثقافي وجمالي عريق، يعبّر عن قيم الفروسية والكرم والشهامة.
وعلى مدى أيام المهرجان، من 7 إلى 13 يوليوز، سيتم تنظيم سلسلة من الأنشطة الثقافية والفنية والاجتماعية والرياضية، موجهة لمختلف الفئات العمرية، بما فيها ورشات للأطفال، وسهرات فنية، وندوات فكرية تتناول موضوع التراث المحلي وآفاق استثماره تنموياً، إلى جانب تنظيم مسابقات رياضية ومبادرات اجتماعية لفائدة الساكنة.
هذا التنوع في البرمجة يعكس رغبة القائمين على المهرجان في جعله فضاءً جامعًا، لاحتضان كل مكونات المجتمع المحلي، من أطفال وشباب ونساء، وتحويله إلى لحظة احتفال جماعية تستعيد من خلالها المنطقة إشعاعها الثقافي ومكانتها الرمزية.
وفي ظل التحديات التنموية التي تعرفها بعض جماعات إقليم سطات، يأتي مهرجان سيدي أمحمد البهلول كـ بادرة واعدة تؤكد أن الثقافة يمكن أن تكون مدخلاً تنموياً إذا ما أُحسن الاستثمار فيها، وتمت مواكبتها بالدعم المؤسساتي والتخطيط الاستراتيجي.
إن ما تحقق إلى حدود هذه الدورة، يشكل خطوة أولى على طريق طويل، لكنه واعد، حيث أن المهرجان بات رافعة فعلية للتنشيط الاقتصادي والسياحي، وساحة للتعريف بمؤهلات المنطقة، وإعادة الثقة لساكنتها في قدراتها الجماعية على التحول والانبعاث من جديد.
ويبقى الأمل أن تتطور هذه المبادرات إلى مستوى أعلى من التأطير والتمويل، وأن تعمل الجهات الوصية، سواء على المستوى الجهوي أو الوطني، على مواكبة المهرجان بإدماجه في أجندة الدعم الثقافي الرسمي، بما يمكنه من ضمان الاستمرارية، والتوسع أكثر نحو استقطاب شراكات دولية، والانفتاح على السياحة القروية والبيئية والثقافية، التي أصبحت من رهانات التنمية في العالم القروي المغربي.
وفي انتظار ما ستكشف عنه باقي أيام المهرجان من مفاجآت فنية ومجتمعية، يمكن القول إن جماعة رأس العين نجحت في تقديم صورة مشرقة عن مغرب متشبث بجذوره، وواعٍ بأن الاحتفاء بالتراث ليس ترفًا، بل ضرورة حضارية وتنموية.
تعليقات الزوار