آسفي بلا ماء.. حين تُحول الشركة المتعددة الخدمات الحياة إلى كابوس يومي للساكنة!

هبة زووم – طه المنفلوطي
في صيف قائظ من صيفيات التغير المناخي، لم تعد أزمة الماء في آسفي مجرد اضطراب عرضي في شبكة التوزيع، بل تحولت إلى معاناة يومية تمس الكرامة الإنسانية في عمقها، وتعيد طرح السؤال الجوهري الذي يتهرب الجميع من مواجهته: هل نحن أمام أزمة نُدرة أم أمام فضيحة تدبير؟
خمسة أيام متتالية دون ماء في عشرات الأحياء بالمدينة، دون سابق إنذار، دون بلاغ توضيحي، دون حتى اعتذار شكلي من الشركة الجهوية متعددة الخدمات – مراكش آسفي، التي يبدو أن الماء يصلح عندها فقط لتغذية الخزانات الانتخابية للمدن النافذة، فيما يظل سكان آسفي مجرد أرقام في قاعدة بيانات الفواتير.
مشهد الأسر المسفيوية وهي تتنقل يومياً بين الأحياء بحثاً عن قنينات ماء، أو تنتظر قطرات في جوف الليل لتعبئة دلو، لم يعد استثناءً، بل صار واقعاً محبطاً.
الأشد إيلامًا هو أن العيد الكبير – عيد الأضحى – على الأبواب، والمواطن يتساءل: كيف نغسل، نطهّر، نضحّي، ونعيش في غياب أبسط شروط الحياة؟
صمت رسمي وسخط شعبي
في مقابل هذا العطش الجماعي، تُقابل الساكنة بصمت مطبق من الشركة المفوّضة، التي اختارت أن تواصل عملها في مد أنابيب مشروع “أطوروت الماء” من آسفي نحو مراكش، دون أن تفسر للساكنة لماذا يُقتطع الماء عنهم لأجل “مدينة الحمراء”، ولماذا يعاملون كمجرد هامش جغرافي تابع، لا كمواطنين متساوين في الحقوق.
الاحتقان لم يبقَ حبيس الجدران، بل انفجر على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تَحولت منصات الفيسبوك إلى ساحة غضب جماعي، بلغة شعبية مؤلمة وعفوية تعكس حجم القهر والخذلان.
مواطنون ومواطنات أطلقوا دعوات للاحتجاج، لمقاطعة الفواتير، وحتى لدخول جماعي نحو مقرات الشركة للمطالبة بالحق في الماء، بكل ما تحمله الكلمة من رمزية ووجع.
“ولّينا كنحسبو الدخول للطواليط ترف”، “ماكاين لا ماء لا دوش لا صابون”، “خلص الفاتورة وإلا اقطعنا”، “الماء مشى لمراكش وحنا عطشانين قدّام البحر”… هذه ليست شعارات نضالية من زمن الجفاف، بل مقتطفات حقيقية من تدوينات شباب وشابات المدينة، ممن يشعرون اليوم أنهم مواطنون من درجة أدنى، لا لذنب سوى أنهم ينتمون إلى إقليم منسي.
أين المنتخبون؟ أين البرلمانيون؟
وسط هذا الصخب، غابت الأصوات التي انتخبتها الساكنة لتدافع عنها. فلا موقف رسمي صدر عن البرلمانيين، ولا بلاغ احتجاجي من الجماعات الترابية، وكأن الكل آثر الصمت في حضرة “تكنوقراطية الماء”، التي باتت تفعل ما تشاء بمنطق القوة لا قوة المنطق.
حتى حين نطقت بعض الأصوات، كانت فردية، مشتتة، وغالباً ما كانت تُوجّه أصابع الاتهام نحو الشركة دون أن تقترح حلاً، مما زاد من تعميق الفجوة بين المواطن والمؤسسات.
إن ما يحدث في آسفي ليس مجرد انقطاع عابر نتيجة عطب تقني، بل هو أزمة حوكمة واضحة المعالم، تعكس فشل النموذج المفوّض الجديد، الذي سُوّق كمنقذ من الأعطاب، فإذا به يتسبب في أعطاب أشد خطورة.
ففي زمن التحول الرقمي والتدبير الذكي، ما زال المواطن المسفيوي ينتظر بلاغًا على “ورقة مطبوعة” توضّح له لماذا صُودرت حقوقه الحيوية، في حين تنفق الملايير على الحملات التواصلية الفارغة.
إلى أين؟
الكرة اليوم في ملعب الوالي شوراق، قبل أن تتحول مطالب الماء إلى مطالب أكثر جذريّة، فالسخط يتراكم، والثقة تتآكل، والحق في الماء ليس ترفاً بل حق دستوري لا يقبل التسويف ولا الحسابات الجهوية أو الحزبية.
لقد آن الأوان لمراجعة العلاقة بين المواطن والشركات المفوض لها تدبير القطاعات الحيوية، فحين يصبح الوصول إلى الماء ترفاً يومياً لأسرٍ بسيطة، فلا مجال حينها للحديث عن تنمية، ولا عن كرامة، ولا عن دولة اجتماعية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد