هبة زووم – محمد خطاري
في مدينة يُفترض أنها قلب الاقتصاد المغربي، وعاصمة المال والأعمال، تحولت السياسة المحلية إلى كوميديا سوداء، أبطالها منتخبون بارعون في ارتداء الأقنعة، يتقنون فنّ الكذب على الهواء مباشرة، دون خجل أو وازع.
في مجلس مدينة الدار البيضاء، لم تعد المداولات تُدار بعقلانية ولا تُبنى على برامج واضحة، بل تحولت إلى عروض مسرحية رديئة، حيث يتبادل المتدخلون أدوار البطولة في مسلسل لا تنتهي حلقاته: وعود بلا نهاية، خطابات جوفاء، ومزايدات لفظية لا تُفضي إلى شيء سوى المزيد من العبث.
المنتخب في هذه المدينة لا يقيس نجاحه بمدى الإنجاز، ولا بعدد المشاكل التي حلها، بل بعدد المغفلين الذين صدقوا أنه “كان في اجتماع”، بينما الحقيقة أن كل اجتماعاته تدور في فلك المصالح الشخصية وتبادل الامتيازات.
إنه كائن سياسي متحول، يُجيد التلون حسب اللحظة والوسيلة الإعلامية. في الحملات الانتخابية يتقمص دور “ابن الشعب”، يتجول حافيًا في الأزقة، يدّعي الفقر والتقشف، ثم بعد الفوز يُصبح شخصًا آخر، بربطة عنق ونظرة متعالية، ويبدأ في تسويق الوهم على أنه إنجاز.
الخطاب السياسي بالدار البيضاء لم يعد وسيلة للتواصل مع المواطنين، بل أصبح سلعة يتم تسويقها بمنطق: “يبيعون القرد ويضحكون على من اشتراه”.
فالكلمات تُقال لا لتُترجم إلى أفعال، بل لتُسكت الأصوات الغاضبة، وتُخدر الوعي الجمعي الذي أنهكته سنين من التهميش وسوء التدبير.
جلسات مجلس المدينة، منذ عهد محمد ساجد، مرورًا بعبد العزيز العماري، ووصولاً إلى نبيلة الرميلي، لم تنجُ من هذا الطابع الاستعراضي.
تغيرت الوجوه، وتبدلت الشعارات، لكن ظل القاسم المشترك واحدًا: غياب الرؤية، وتضخم الخطاب، وموت الفعل.
من يتابع أداء بعض المنتخبين يلاحظ أنهم أصبحوا أسرى “فن التموقع”، حيث النفاق فضيلة، والانتهازية مهارة، والعلاقات العائلية والمصلحية مفتاح لكل باب مغلق.
إنهم لا يخجلون من الكذب، بل يُتقنونه حتى صار لهم لسانان: واحد للتصريحات، وآخر للصفقات.
في هذا المناخ السياسي المشوه، تُغتال الثقة، وتُوأد الانتظارات، ويُصبح المواطن ضحية لعبة لا يفهم قواعدها ولا يؤمن بنتائجها.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الدار البيضاء اليوم ليس في البنية التحتية، ولا في النقل أو النظافة فقط، بل في أزمة تمثيلية حادة، وغياب منتخبين صادقين يؤمنون حقًا بأنهم خُلقوا ليخدموا لا ليُخدموا.
لقد آن الأوان ليتوقف هذا العبث، وتستفيق المدينة من كابوس من يُمارسون السياسة كما يُمارس المهرّجون فن التهريج، فالدار البيضاء تستحق نخبة بمستوى طموحاتها، لا كائنات سياسية متعددة الأوجه تُمارس الوهم وتضحك على من يصدقها.
تعليقات الزوار