بأقصى سرعة… هل تتجه الحكومة إلى “احتواء” الصحافة بقوانين مُفخخة؟

هبة زووم – أحمد الفيلالي
في سابقة تشريعية لافتة، لم يحتج البرلمان المغربي سوى خمسة أيام فقط لبرمجة ومناقشة مشروعي قانونين يهمّان قطاع الصحافة والنشر، أثارا منذ تسريبهما حالة من التوجس داخل الجسم الصحفي، وسط تساؤلات عن الخلفيات الحقيقية لهذا التسريع غير المألوف، في واحدة من أكثر المراحل حساسية في العلاقة بين الدولة والمهنة.
فبعد مصادقة المجلس الحكومي الأخيرة، سيحل وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، اليوم الأربعاء، أمام لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، لتقديم مشروع قانون رقم 26.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، ومشروع قانون رقم 27.25 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 89.13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحافيين المهنيين.
اللافت في هذا المسار التشريعي المتسارع ليس فقط البرمجة الاستثنائية، بل أيضاً غياب أي نقاش مؤسسي مع الفاعلين المهنيين، ما يطرح علامات استفهام مقلقة حول ما إذا كانت الحكومة تسعى فعلاً إلى إصلاح القطاع، أم إلى إعادة تشكيله بمنطق السيطرة المقننة.
الوزير بنسعيد، الذي وعد سابقًا بحضور ندوة الناطق الرسمي باسم الحكومة لتقديم تفاصيل المشروعين، تغيب عن اللقاء بشكل مفاجئ دون تفسير، رغم إشعار وسائل الإعلام بذلك، مما زاد من غموض النوايا وخفّض منسوب الثقة في مشروع إصلاحي طال انتظاره.
الخطاب الرسمي، كما عبّر عنه مصطفى بايتاس، الناطق باسم الحكومة، يصرّ على أن مشروع إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة يأتي في سياق تنزيل أحكام الدستور، خاصة الفصول 25 و27 و28 المتعلقة بحرية التعبير والتنظيم الذاتي.
غير أن المتابعين يرون أن واقع الصياغة القانونية للمشروعين لا يعكس هذا الخطاب التطميني، بل يوحي بتحوّل تدريجي للمجلس إلى مؤسسة شبه إدارية، تُسند لها مهام الضبط والعقاب بدل التمثيل والتأطير.
فمشروع 26.25، حسب تسريبات أولية، يتجه إلى إعادة هيكلة تركيبة المجلس بأسلوب يضعف التمثيلية المهنية، ويوسّع من صلاحيات التأديب، مع فتح الباب لتعيينات غير منبثقة عن انتخابات مهنية، وهو ما يعتبره مهنيون ضربًا صريحًا لمبدأ الاستقلالية.
أما مشروع القانون 27.25، الذي يهم النظام الأساسي للصحافيين المهنيين، فيبدو أنه يفرض شروطًا إضافية قد تُفرغ صفة “المهني” من معناها الحقيقي، عبر معايير قد تتعارض مع طبيعة الاشتغال داخل المقاولات الصحفية الصغيرة أو الصحافة الجهوية والمستقلة، ناهيك عن غياب تصور واضح حول التكوين المستمر والحماية الاجتماعية.
النقابات المهنية، وفي مقدمتها الرابطة المغربية للصحافة المهنية، لم تُخف انزعاجها من تغييبها عن صياغة المشروعين، وعبّرت في مناسبات عدة عن ضرورة مقاربة إصلاح الصحافة بمبدأ التشاركية لا الفوقية، معتبرة أن التشريعات التي لا تُبنى على حوار مع أهل المهنة تتحول إلى عبء على الديمقراطية بدل أن تكون رافعة لها.
من المفارقات أن هذين المشروعين يأتيان في سياق استمرار عمل اللجنة المؤقتة لتسيير المجلس الوطني للصحافة منذ سنة 2022، والتي فُرضت كحل انتقالي مؤقت بسبب تعذر تجديد هياكل المجلس.
لكن وبدلاً من إنهاء الوضع الاستثنائي، يبدو أن الحكومة تتجه إلى “تقنين” هذه الوضعية المؤقتة بقوانين دائمة، مما ينسف فلسفة التنظيم الذاتي التي ينص عليها الدستور نفسه.
الأسئلة المطروحة اليوم ليست تقنية فقط، بل وجودية، هل يراد من هذه القوانين إعادة هيكلة المشهد الصحفي فعلاً، أم إعادة ضبطه سياسيًا؟ هل نحن أمام محاولة تأهيل القطاع، أم أمام مقاربة أمنية ناعمة للحد من هامش النقد والتعبير في مرحلة ما بعد الأزمات الاجتماعية والسياسية؟
البرلمان مطالب اليوم بأكثر من مجرد تمرير النصوص، بل مطالبا بفتح النقاش، والعودة إلى المهنيين، وإنقاذ ما تبقى من الثقة بين الصحافة ومؤسسات الدولة، لأن ما يُبنى في الظلام، مهما بلغ من الذكاء القانوني، لا يمكنه أن يصمد أمام نور المهنة، ولا أمام التاريخ.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد