هبة زووم – تيفلت
اختُتمت فعاليات الدورة الخامسة من مهرجان تيفلت الثقافي وسط أجواء باهتة ومشهد يفتقد لأي لمسة إبداع أو إشعاع ثقافي حقيقي.
المهرجان، الذي تنظمه جمعية “أطلس زمور تيفلت للثقافة والتنمية والإبداع” بشراكة مع المجلس الجماعي وبدعم من مؤسسات وقطاعات وزارية، حمل هذه السنة شعارًا رنّانًا: “دور الثقافة في ترسيخ الهوية المغربية لخدمة الوحدة الوطنية”، لكنه في الواقع بدا بعيدًا كل البعد عن روح هذا الشعار، بل ومناقضًا له في المضمون والسلوك والنتائج.
منذ انطلاقته، لم يعرف هذا المهرجان أي تطور يُذكر، وظل رهينًا لعشوائية التنظيم وضبابية الأهداف، ما جعله مادة للانتقاد والسخرية في الأوساط المحلية.
فبدل أن يُسهم في تنشيط المدينة ثقافيًا واقتصاديًا، أصبح مناسبة سنوية لعرض مظاهر الانحلال الأخلاقي والتسيب الأمني والعبث المالي، دون أن يلوح في الأفق أي أفق للإصلاح أو التقويم.
ورغم أن ميزانية المهرجان بلغت هذه السنة ما يقارب 45 مليون سنتيم، ما يجعله من بين أغلى المهرجانات المحلية على الصعيد الوطني، فإن هذه الأموال لم تترك أي أثر تنموي ملموس، ولم تُحدث أي تغيير إيجابي في حياة ساكنة المدينة التي ما تزال تتخبط في مشاكل الفقر والبطالة والتهميش وضعف البنيات التحتية.
وما يزيد الوضع قتامة هو المشاهد المقلقة التي باتت تُلازم المهرجان سنويًا، حيث تحولت ساحاته إلى فضاءات مفتوحة لممارسات خارجة عن القانون، بدءًا من انتشار المقامرة وترويج المخدرات والخمور، وصولًا إلى تفشي الدعارة والشذوذ والنشل والاعتداءات الجسدية.
مظاهر تكرّس صورة قاتمة عن مدينة تيفلت، وتضرب في العمق كل القيم التي من المفترض أن يُعليها مهرجان ثقافي يحمل رسائل الهوية والوحدة.
ورغم تكرار نفس الاختلالات سنة بعد أخرى، ما تزال الجهات المنظمة تُمعن في تلميع الصورة، وتُغدق على الحدث من المال العام بلا حسيب أو تقييم واقعي للجدوى والمردودية.
أما على الأرض، فالزائر يصطدم بفوضى عارمة، وسوء في التسيير، وتدخلات أمنية غالبًا ما تأتي بعد فوات الأوان، في مشاهد تجعله يفرّ بذكريات مشحونة بالإحباط والانزعاج، بدل أن يغادر محمّلًا بثقافة أو متعة أو أثر إيجابي.
وبات من الضروري اليوم طرح سؤال محوري: ما الغاية من تنظيم مهرجان بهذا الحجم إن كانت حصيلته تقتصر على تلويث صورة المدينة، وتكريس الجهل، ونشر الانحلال بدل التنوير؟ وهل يملك مسؤولو المدينة والجهات الداعمة الجرأة لمصارحة الرأي العام بحقيقة ما يقع، ومحاسبة من يتلاعبون بالمال العام تحت غطاء الثقافة؟
لقد آن الأوان لإعادة النظر في فلسفة هذا المهرجان، وفي آليات تنظيمه، وفي جدوى صرف الملايين على عروض فارغة لا تعود بالنفع لا على المدينة ولا على ساكنتها. فالثقافة ليست غطاءً للفوضى، ولا ينبغي أن تُستعمل ستارًا لتبرير الفشل أو تبييض وجوه المتواطئين مع الفساد.
ما تعيشه تيفلت خلال موسم مهرجانها هو حالة رمزية لفقدان البوصلة الثقافية والتنموية، وفشل النموذج المحلي في إنتاج فعل ثقافي محترم، وهو ما يستدعي فتح نقاش عمومي حقيقي حول مصير هذه التظاهرة، ومن يقف خلف استمرارها بنفس الرداءة، ومن يستفيد من استمرار تبذير المال العام باسم “الثقافة”.
تعليقات الزوار