بركان: “الجوهرة الزرقاء” تلفظ أنفاسها الأخيرة وبحر السعيدية يحتضر وسط صمت جماعي

هبة زووم – محمد أمين
تحوّل شاطئ السعيدية، الذي لطالما ارتبط في أذهان المغاربة بلقبه الجميل “الجوهرة الزرقاء”، إلى مساحة حزينة تعكس تدهورًا بيئيًا مقلقًا، بعدما غطّت أكوام النفايات والأعشاب البحرية المتعفنة مياهه ورماله الممتدة لأزيد من 14 كيلومترًا، مُحوِّلة إياه من وجهة سياحية دولية إلى ما يشبه مكبًا للنفايات في الهواء الطلق.
الصورة القادمة من قلب شاطئ السعيدية، والتي تناقلها العديد من النشطاء، تُظهر تراكمًا لافتًا لمخلفات بشرية، وأكياس بلاستيكية، وعبوات فارغة، وأغطية مناديل ورقية، وكلها ممزوجة ببقايا أعشاب بحرية تُركت دون تنظيف لأسابيع، إن لم نقل شهورًا، ما يشكل تهديدًا مباشرًا للنظام البيئي البحري ولصورة المنطقة برمتها.
السعيدية، التي كانت إلى وقت قريب ملاذًا للعائلات المغربية والوافدين من أوروبا، تواجه اليوم تهديدًا مزدوجًا: بيئيًا وسياحيًا، فالإهمال البيئي قد يتحول سريعًا إلى كارثة اقتصادية، خاصة وأن المدينة تعتمد بشكل كبير على موسم الصيف وما يدره من مداخيل على مهنيي القطاع السياحي والمجالات المرتبطة به.
ورغم الشعارات الرسمية التي تتحدث عن “التنمية المستدامة” و”السياحة النظيفة”، فإن ما يُسجله المواطن والزائر يوميًا يُظهر انفصالًا بين الخُطب والواقع.
لا حاويات نفايات كافية، لا توعية بيئية موسمية، لا فرق للمراقبة أو التدخل السريع… فقط تراكم للأوساخ، وتراجع في البنية التحتية، وغياب مريب لأي رؤية حكومية واضحة لإنقاذ هذا الشاطئ الرمزي.
لا يمكن حصر المسؤولية فقط في سلوكيات بعض المصطافين الذين يفتقرون لثقافة بيئية، بل تُوجه أصابع الاتهام أيضًا إلى السلطات المحلية، الجماعات الترابية، والمندوبية الجهوية لوزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، فغياب أدوات التدبير اليومي للشاطئ، والاكتفاء بالحلول الترقيعية، جعل من الموسم الصيفي معضلة بيئية متكررة.
ويستغرب المتابعون لغياب برامج دائمة للنظافة بدل الحملات الموسمية، وعدم إشراك المجتمع المدني المحلي في وضع خطة حماية بيئية مستدامة، رغم أن المخاطر الحالية تهدد بشكل مباشر الصحة العامة والتوازن الإيكولوجي للمنطقة.
يبدو أن السعيدية اليوم بحاجة إلى ما هو أكثر من برامج تزيينية وشعارات مناسبة. إنها في حاجة ماسة إلى خطة إنقاذ بيئية عاجلة تتكامل فيها التدابير التقنية، التوعية المجتمعية، والمساءلة الصارمة للمسؤولين عن التدهور.
هل ستتحرك الجهات المعنية قبل أن تفقد السعيدية مكانتها نهائيًا؟ وهل تدرك السلطات أن كل كيس بلاستيكي يُلقى على الشاطئ اليوم، هو مسمار في نعش السياحة البيئية غدًا؟ الكرة في ملعب الجميع… فهل من مجيب؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد