هبة زووم – الرباط
في مشهد يلخص مأساة العمل الصحفي في فلسطين، استشهد الصحفي الفلسطيني أنس الشريف، مراسل قناة الجزيرة، إثر غارة جوية إسرائيلية استهدفته مع عدد من زملائه داخل خيمة للصحفيين قرب مستشفى الشفاء في مدينة غزة.
لكن قبل أن تصمت عدسته، دوّن الشريف كلماته الأخيرة، تاركًا وصية إنسانية ومهنية تهزّ الضمير العالمي.
كتب الشريف في وصيته: “إن وصلتكم كلماتي هذه، فاعلموا أن إسرائيل قد نجحت في قتلي وإسكات صوتي”، مستعرضًا مسيرته منذ طفولته في مخيم جباليا، وحلمه الدائم بالعودة إلى مدينته الأصلية عسقلان المحتلة، قبل أن يضيف بأسى: “لكن مشيئة الله كانت أسبق، وحكمه نافذ”.
عاش أنس كل تفاصيل الألم الفلسطيني، وفقد أحبة وأصدقاء، لكنه ظل متمسكًا بمهنته، مؤكدًا أنه لم يتوقف يومًا عن نقل الحقيقة “بلا تزوير أو تحريف”، وأن الله سيكون شاهدًا على من سكتوا أو تواطؤوا بالصمت على المجازر الإسرائيلية.
الهجوم الذي أودى بحياة الشريف وزملائه يفتح مجددًا ملف استهداف الصحفيين في مناطق النزاع، خاصة في قطاع غزة، حيث تحوّل العمل الإعلامي إلى مهمة محفوفة بالموت، وسط صمت دولي وغياب آليات حقيقية للمحاسبة.
وتكشف وصية أنس الشريف عن جانب آخر من المأساة: أن الصحفي في فلسطين ليس مجرد ناقل للخبر، بل هو نفسه جزء من القصة، هدف مباشر للقتل، ومالك لحق شخصي في الأرض التي يكتب عنها.
ورغم معرفته بمخاطر المهنة، أصرّ على مواصلة عمله حتى اللحظة الأخيرة، لتصبح كلماته بعد رحيله وثيقة إدانة للعدوان، وشهادة أخلاقية على ثمن الحقيقة.
رحل أنس، لكن وصيته تبقى شاهدًا على مرحلة كاملة من تاريخ غزة، ورسالة مفتوحة إلى العالم: أن صمتكم شراكة، وأن الحقيقة، وإن أُسكت صوتها، تظل تكتب نفسها بدماء أصحابها.
