هبة زووم – الرباط
لم تعد معاناة المرضى المغاربة مع المواعيد الطبية الطويلة مجرد حكايات فردية تُروى على الهامش، بل أصبحت عنواناً صارخاً لفشل المنظومة الصحية في الوفاء بأبسط حقوق المواطنين: الحق في العلاج داخل آجال معقولة.
آخر من دق ناقوس الخطر كان النائب البرلماني أحمد العبادي، عن فريق التقدم والاشتراكية، الذي كشف عن حالات صادمة لمرضى بإقليم تازة ومناطق أخرى، حُددت لهم مواعيد لإجراء فحص السكانير بعد سنتين أو أكثر، أي في حدود 2027.
وبحسب ما أشار إليه البرلماني، فإن بعض المرضى لا يكتفون بالانتظار الطويل من أجل الفحص، بل يقضون شهوراً إضافية فقط للحصول على ورقة “التوجيه الطبي التخصصي” نحو مستشفيات جامعية أو مراكز إقليمية مجهزة.
هذا الوضع، برأي العبادي، لا يعكس سوى واقعاً مأزوماً يتأرجح بين ضعف التجهيزات الطبية، نقص الأطر الصحية، وسوء التدبير الإداري.
البرلماني لم يكتفِ بسرد الأرقام، بل وضع الملف في إطاره الأوسع، حين وصف الظاهرة بأنها إخلال حكومي جسيم بالحق الإنساني والدستوري في الصحة، وإخلال كذلك بمتطلبات إنجاح ورش التغطية الصحية الشاملة، فكيف يمكن الحديث عن ورش إصلاحي وطني ضخم في غياب أبسط شروط الولوج إلى العلاج، وفي ظل ممارسات تُحوّل حقاً دستورياً إلى امتياز غير متاح إلا لقلة قادرة على تحمل كلفة المصحات الخاصة؟
الأزمة لا تتوقف عند حدود تازة، بل إن وضع الدواوير والمناطق النائية أكثر قتامة، حيث تتحول رحلة العلاج إلى عبور مضنٍ يكرّس الفوارق الاجتماعية والمجالية.
وفي هذه المناطق، يصبح الموعد الطبي أشبه بحكم مؤجل، وغالباً ما يُفضي إلى ضياع فرص العلاج المبكر، خصوصاً لمرضى السرطان والأمراض المزمنة التي تستلزم تدخلاً عاجلاً.
وفي سؤال كتابي موجه إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية، تساءل العبادي عن التدابير العملية التي تعتزم الحكومة اتخاذها لضمان حق جميع المغاربة في العلاج على قدم المساواة، وعن الإجراءات الكفيلة بتوفير الموارد البشرية الكافية، والتجهيزات الطبية الضرورية، إلى جانب مقاربات تدبيرية فعالة تُعيد الثقة للمواطنين في المنظومة الصحية العمومية.
الواضح أن أزمة المواعيد الطبية الطويلة، وعلى رأسها مواعيد السكانير، ليست مجرد عَرَض جانبي، بل هي مؤشر خطير على هشاشة البنية التحتية الصحية.
دفمشروع التغطية الصحية الشاملة، الذي تراهن عليه الدولة كأحد أعمدة “الدولة الاجتماعية”، مهدد بفقدان مصداقيته إذا استمر الواقع على ما هو عليه. إذ لا معنى لتغطية صحية تمنح بطاقة مؤمَّن بينما المستشفى لا يمنح سوى موعد مؤجل لعامين.
ملف مواعيد السكانير يختصر معاناة قطاع بأكمله، وبينما يظل المواطن البسيط رهينة ورقة “موعد طبي” مؤجل إلى 2027، يبقى السؤال المركزي مطروحاً: هل تستطيع الحكومة أن تتحرك سريعاً لتصحيح هذا الخلل الجسيم، أم سيظل الحق في العلاج، كما وصفه العبادي، حلماً مؤجلاً ومكلفاً؟
تعليقات الزوار