زلزال برشيد.. توقيف رئيس الجماعة وإحالة ملفات ثقيلة على القضاء في انتظار “شريك الأمس” العامل السابق أوعبو
هبة زووم – أحمد الفيلالي
في خطوة غير مسبوقة هزّت دواليب الشأن المحلي بمدينة برشيد، قرّر عامل الإقليم، جمال خلوق، توقيف رئيس المجلس الجماعي، النائب البرلماني طارق قديري، إلى جانب أربعة من نوابه وثلاثة مستشارين جماعيين، بعد أن كشفت لجنة تفتيش تابعة للمفتشية العامة للإدارة الترابية عن سلسلة من الاختلالات الخطيرة في مجالات التعمير، والجبايات المحلية، والصفقات العمومية، ومنح الرخص التجارية.
القرار الذي وُصف في أوساط المدينة بـ”الزلزال الإداري”، نزل على المجلس كـ”الاستدعاء المفاجئ من وزارة الداخلية”؛ تلك الورقة التي لا تحتاج إلى تفسير، يكفي أن تُسلَّم لتبدأ عملية ترتيب الملفات في الصناديق بسرعة تفوق سرعة الإنترنت في مقر الجماعة.
أما سكان برشيد، الذين طال انتظارهم لرؤية رئيسهم داخل مكتبه كما ينتظر الناس “الكار الذي لا يأتي”، فقد استقبلوا الخبر بمزيج من الضحك والغضب؛ ضحك لأنهم تذكّروا الوعود المؤجلة والمشاريع المعلقة، وغضب لأنهم أدركوا كم أُهدرت من سنوات في “انتظار اللاشيء”.
الواقع أن المحاسبة ليست إجراءً تقنياً لتصحيح أخطاء الإدارة، بل هي جوهر الفعل السياسي وأساس الشرعية الديمقراطية. فعندما تغيب المساءلة، يتحول الفساد إلى نمط إداري مقبول، وتُصبح الأخطاء سلوكاً مألوفاً، وتضيع الحدود بين الكفاءة والتقصير. والأخطر أن غياب المحاسبة يُفقد السياسة معناها، لأن المواطن حين لا يرى فرقاً بين من يُخلص في العمل ومن يُهمل، يفقد الثقة، وتنكمش الرغبة في المشاركة.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن ما وقع في برشيد، رغم خلفيته السياسية المحتملة، يُظهر إرادة – ولو محدودة – في استعادة هيبة القانون. فإحالة مسؤولين منتخبين على القضاء بسبب اختلالات جسيمة، خطوة إيجابية تثبت أن المحاسبة ممكنة متى وُجدت الإرادة، لكنها تبقى نماذج معزولة لا تُغني عن ضرورة تعميم مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة على جميع المستويات، خاصة في تدبير الشأن المحلي والمناصب السياسية العليا.
باختصار، زلزال برشيد ليس مجرد توقيف إداري، بل صفعة رمزية تذكّر بأن الكرسي لا يُدفأ بالغياب، وأن المكتب العمومي ليس “كوخاً صيفياً” يُزار فقط عندما تحضر الكاميرات.