الحسيمة.. شهادة صادمة تكشف انهيار المنظومة الصحية وهجرة جماعية للأطباء بسبب الشطط الإداري

هبة زووم – تقرير خاص
في شهادة غير مسبوقة تسلط الضوء على الوجه المظلم للقطاع الصحي بإقليم الحسيمة، كشفت الدكتورة وداد أزداد، الأخصائية السابقة في التصوير الطبي بالمستشفى الإقليمي، عن تفاصيل مثيرة حول أسباب الهجرة الجماعية للأطباء وتدهور الخدمات الصحية، مؤكدة أن “مستشفيات الحسيمة شبه خالية، والأطباء يغادرون بسبب الشطط الإداري والسلطوية المفرطة”.
من طموح مهني إلى انهيار عصبي
بدأت مسيرة الدكتورة وداد أزداد، الحاصلة على دكتوراه في الطب سنة 2012 والمتخصصة في الأشعة، بتعيينها في مستشفى الحسيمة سنة 2017. كانت آنذاك تحمل حلمًا شخصيًا بخدمة أبناء المنطقة، متسلحة بالحماس والمهنية، إذ وصفت عملها في البداية بأنه “تجربة ملهمة في منطقة راقية بأخلاق أهلها”.
لكن سرعان ما تبدد هذا الحماس أمام واقع النقص الحاد في المعدات الطبية والخصاص المزمن في الموارد البشرية، والأخطر – كما قالت – ظهور مظاهر محسوبية ومحاباة في تدبير مواعيد الفحوصات، رفضت الانخراط فيها، لتجد نفسها في مواجهة مباشرة مع أحد المسؤولين الإداريين النافذين بالمستشفى.
مسؤول متسلط وسلوكيات تنفّر الأطباء
بحسب روايتها، فإن هذا المسؤول – الذي وُصف بأنه “رمز التسلط وتجاوز الصلاحيات” – جعل من الإدارة أداة للترهيب بدل التسيير، وكان يفرض تعليمات لتقديم خدمات طبية عبر “البيسطون” خدمةً لمصالح شخصية أو لجهات نافذة.
وأكدت الدكتورة أزداد أنها رفضت الخضوع لتلك الممارسات، معتبرة أن المرضى يجب أن يُعاملوا بناءً على حاجاتهم الطبية لا مكانتهم الاجتماعية.
غير أن هذا الموقف الأخلاقي كان بداية حملة انتقامية ممنهجة ضدها شملت حرمانها من بعض التعويضات الخاصة بجائحة كوفيد-19، وتشويه سمعتها بين الزملاء الجدد، وصولًا إلى تعرضها لـ”إهانة مباشرة” تسببت في انهيارها العصبي ومغادرتها النهائية للقطاع العام.
رحيل الأطباء.. سياسة ممنهجة لتفريغ المستشفى
تقول الدكتورة أزداد إن حالتها لم تكن استثناءً، بل تكررت مع زملاء كثر في مختلف التخصصات، في مقدمتهم زميلتها الدكتورة ليلى، آخر طبيبة أشعة بالمستشفى، التي غادرت بدورها بعد أسابيع من الضغوط المتواصلة.
وتوضح أن هذا “النزيف البشري” لم يكن صدفة، بل نتيجة منطق غريب يعتمده المسؤول المعني، يقوم على فكرة أن رحيل الأطباء يقلل من الشكايات الإدارية، بل ويحد من توافد المرضى أصلاً.
وتضيف أن المستشفى أصبح فعليًا شبه فارغ من الكفاءات الطبية، كما يظهر في الأرقام التالية:
كما لا يتجاوز عدد الأطباء في تخصصات حيوية مثل العيون والأنف والحنجرة والعظام والغدد والمسالك البولية طبيبًا واحدًا في كل قسم، مما جعل القطاع العمومي عاجزًا عن أداء أبسط مهامه الإنسانية.
الحسيمة.. بؤرة مرض بلا علاج
رغم أن الإقليم يُعدّ من أكثر المناطق تسجيلًا لحالات السرطان في المغرب، فإنه يفتقر حتى لأخصائيي الأشعة في معهد الأورام الوحيد بالمنطقة.
وتقول الدكتورة إن الفقراء هم الضحية الأكبر، إذ يُضطر المرضى للسفر نحو طنجة أو فاس أو الرباط لتلقي العلاج، وسط تكاليف باهظة تفوق طاقتهم، ما يجعل الاستشفاء أشبه بـ”كابوس اجتماعي متكرر”.
صمت رسمي وخذلان نقابي
تؤكد الدكتورة أزداد أنها – رفقة زملائها – راسلت وزارة الصحة والمندوبية الجهوية للتبليغ عن الخروقات دون جدوى، إذ قوبلت الرسائل بالصمت أو التجاهل. كما انتقدت تخاذل النقابات المهنية، التي اكتفت بالمشاهدة رغم تفاقم الوضع.
أما على المستوى السياسي، فقد أشارت إلى أن أحد البرلمانيين المحليين امتنع عن متابعة الملف “بمجرد أن علم باسم المسؤول”، في مؤشر على حجم النفوذ الإداري وهيمنة الخوف داخل المؤسسات.
ثمن إنساني باهظ
لم يقتصر الأثر على الجانب المهني فحسب، بل امتد إلى الحياة الشخصية للدكتورة وعائلتها. فقد أدى الضغط المتواصل والتحريض ضدها إلى إصابتها بانهيار عصبي، بينما تعرض والداها لأزمات صحية متزامنة.
ورغم ذلك، أكدت الدكتورة أزداد أن قرارها بكشف الحقيقة لم يكن بدافع الانتقام، بل دفاعًا عن حق المرضى والأطباء في بيئة عمل كريمة. وأضافت: “أنا مدركة لمخاطر المتابعة القضائية، لكنني أملك شهودًا ووثائق، ولن أسكت عن إذلال الأطباء وتفريغ مستشفيات الحسيمة من الكفاءات”.
نداء لإنقاذ ما تبقى
تكشف شهادة الدكتورة وداد أزداد عن أزمة مركبة تجمع بين الفساد الإداري، والهدر البشري، والتخلي المؤسسي، لتطرح سؤالًا وجوديًا حول مستقبل الصحة في إقليم الحسيمة: هل ما زال بإمكان هذا الإقليم الصمود أمام انهيار المرفق العمومي، أم أن السكوت عن الشطط سيحوّله إلى منطقة منكوبة صحيًا؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد