الرشيدية اليوم مدينة خارج التاريخ وداخل مستنقع للفساد

هبة زووم – الرشيدية
الرشيدية اليوم ليست مجرد مدينة متأخرة، بل نموذج مصغر لفشل لمختلف النماذج التنموية في بعدها الترابي، فإذا كان المغرب يتحدث عن إقلاع اقتصادي وتنمية شاملة، فإن استمرار وضع الرشيدية بهذه الصورة هو تناقض بنيوي ينسف الخطاب الرسمي من أساسه.
كيف يمكن لدولة تتباهى بالمشاريع الكبرى، أن تعجز عن إنقاذ مدينة متوسطة من براثن الجمود والفساد؟ وكيف يمكن لمواطن أن يثق في المستقبل وهو يرى حاضره يُدار بالعبث؟ كيف يمكن لمواطن أن يطمئن على مستقبل فلذات كبده وهو يشاهد تاريخ المدينة أمجد وأكثر كرامة من حاضرها ومستقبلها؟
الرشيدية، يا حسرة، ماذا دهاكِ؟ أهي لعنة الانتخابات التي تركت بين يدي “اللعبة” ليرسم تفاصيلها وملامحها لتخرج علينا مسخا أكل الزرع والضرع وتركنا نغرق داخل مستنقع الفساد؟
كنا نحسبك عاصمة الجهة لا دوار، مدينة الضحك لا البكاء، مدينة تُحكى عنها النكت لا تُصبح هي النكتة، تلك المدينة التي كان يدخلها الزائر محمولًا على أجنحة الأساطير، فيخرج منها محملًا بصور جميلة، فصارت اليوم كابوسًا مقنعًا يبتسم من الخارج ويخفي خلف ابتسامته كاميرا.
كانت الرشيدية مشتلا للعقول ومسرح العشاق وملاذ الباحثين عن دفء الروح في أزقتها الضيقة وروائحها التي تمزج بين الكامون والنعناع، أما اليوم، فصارت مزبلة للفضائح في كل نشرة أخبار مسائية.
المخدرات؟ يا سلام! من كان يظن أن “الشيرا” أصبحت مطلبا لشباب المدينة لنسيان واقعهم المر وحياتهم البئيسة، فيما علية القوم اختاروها تجارة يجعلون أرباحها مطية ليصلوا بها إلى مفاصل الدولة وقيادة مجالسها المنتخبة لا لتنمية مدينتهم بل لسرقة كل مقدراتها وجعل زينة شباتها وشبابها يرحلون إلى مختلف مدن المملكة ليكونوا عبيدا في شركاتها.
نحن لا نتحدث عن التفاصيل التافهة هنا، كسرقة محفظة أو نشّال في السويقة، فتلك مصائب عادية تقترن بأي مدينة كبرى، نحن نتحدث عن انزياح في هوية مدينة بأكملها، مدينة كانت تقول “مرحبا” بضحكة حقيقية لتتحول إلى مدينة منكوبة تحتاج إلى برنامج أممي للتأهيل.
الرشيدية اليوم تئن، لكن بصمت فاضح، لا تصرخ، لأن صراخها يُسجل ويُبث في “ريل” قصير على تيك توك، الرشيدية الحقيقية تُختطف أمام عيون سكانها، الذين ما زالوا يضحكون، ولكن ضحكتهم هذه المرة تشبه بكاء عميق، بكاء من كان يعيش في مدينة تشبه الحلم، فإذا به يستيقظ ليجد نفسه وسط كابوس مبلل بالعرق والمخدرات و”الدوش البارد”.
اليوم نرفع صوتنا وبكل قوة ونصرخ في وجه من باعها نريد الرشيدية القديمة، المدينة التي فيها فقيه بسيط يقرأ القرآن لا يحفظ أرقام الكاميرات، نريد الرشيدية التي كانت مدينة، لا مسرحًا للفضائح، وحتى ذلك الحين، ابكوا يا ناس، فهذه المدينة لا تستحق سوى بكاء يشبه الضحك، أو ضحكًا يشبه البكاء.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد