حسن غربي – الحسيمة
تبدو الحسيمة، المدينة التي لطالما كانت عنوانًا للتنمية والطموح في الشمال المغربي، وكأنها تعيش زمنًا رماديًا معلّقًا بين الحضور والغياب.
فمنذ أسابيع، يسود شعور عام بأن المدينة فقدت إيقاعها الإداري، وغابت عنها الحيوية التي ميّزتها عقب المشاريع الملكية الكبرى التي غيّرت وجهها العمراني والاجتماعي قبل سنوات قليلة.
في مقابل دينامية تشهدها جل المدن المغربية تحت إشراف مباشر من سلطاتها الترابية، تبدو الحسيمة اليوم وكأنها تسير بوجه باهت، في غيابٍ ملحوظ لعامل الإقليم، الذي تشير مصادر متطابقة إلى أنه لم يعد يمارس مهامه الميدانية منذ فترة ليست بالقصيرة، تاركًا الإدارة المحلية في حالة من الارتباك والتردد، وكأن المدينة فقدت بوصلة القرار.
يُجمع المتتبعون للشأن المحلي في الحسيمة على أن غياب العامل عن الإقليم انعكس بشكل مباشر على أداء مختلف المصالح الإدارية. فالمشاريع التنموية متوقفة أو متعثّرة، والاجتماعات التنسيقية نادرة، والمبادرات الاجتماعية تكاد تختفي، فيما يسود الانطباع بأن الكاتب العام للعمالة يكتفي بتصريف الأمور الجارية دون اتخاذ قرارات حاسمة أو إطلاق مبادرات جديدة.
الأدهى من ذلك، أن المشهد الإداري في المدينة أصبح رهينًا لوجوه تقليدية أثبتت التجربة محدودية فعاليتها. وجوه لا تبعث على الأمل ولا تملك رؤية واضحة، بل تُعيد إلى الأذهان زمناً كانت فيه الإدارة مرادفًا للجمود والانتظار. بعض المواطنين يرون أن الحسيمة تُدار اليوم بعقلية الماضي، وأنها فقدت روح المبادرة التي كانت تميزها في فترات سابقة.
يتساءل كثيرون عن مصير الملفات الكبرى التي كانت موضوع تتبع دقيق من السلطات المركزية، وعلى رأسها المشاريع المرتبطة بالبنيات التحتية، والبرامج الاجتماعية، وتجويد الخدمات العمومية. فمع غياب المتابعة الميدانية، تراجعت وتيرة الأشغال في عدد من الأوراش، بينما فقدت المؤسسات المحلية التنسيق اللازم لتسريع وتيرة التنفيذ.
في الأحياء والأسواق والمصالح الإدارية، يلمس المواطنون أثر الغياب بوضوح. لا زيارات ميدانية، ولا قرارات مستعجلة لمعالجة الاختلالات اليومية، وكأن الحسيمة تُدار بنظام “التحكم عن بُعد”، في انتظار عودة المسؤول الأول عن الإقليم.
الحسيمة ليست مدينة عادية في الجغرافيا المغربية، بل رمزٌ لتحول عميق عاشته الدولة في علاقتها بالمجال وبالإنسان. لذلك، فإن ما يجري اليوم يثير قلقًا مشروعًا، لأن غياب القيادة الترابية لا يعني فقط غياب شخص، بل غياب رؤية، وإضعاف لروح الثقة التي تشكل ركيزة العلاقة بين المواطن والدولة.
في المقابل، ما زالت الساكنة تُعلّق الأمل على تدخل وزارة الداخلية لإعادة الأمور إلى نصابها، وإعادة بعث دينامية جديدة في الإقليم. فالحسيمة تحتاج إلى مسؤول يملك الحضور الميداني، ويجيد الإصغاء للمواطنين، ويعيد للمدينة صورتها كقطب تنموي حيوي لا كزاوية منسية على هامش البلاد.
الحسيمة اليوم تقف على مفترق طرق: بين أن تستعيد وهجها التنموي وتنهض من حالة الجمود، أو أن تستمر في الدوران داخل حلقة الغياب الإداري والانتظارية القاتلة. لكن المؤكد أن مدينة بهذا التاريخ والمكانة لا يمكن أن تُترك لتتآكل في صمت.
تعليقات الزوار