الدار البيضاء: تسيير بلا مشروع في عهد العمدة الرميلي وريع يلتهم العاصمة الاقتصادية

هبة زووم – إلياس الراشدي
في الوقت الذي تنتظر فيه الدار البيضاء، باعتبارها القلب الاقتصادي للمغرب، قيادةً سياسية قوية تليق بحجمها وتحدياتها، تجد نفسها اليوم أسيرة تسييرٍ باهت، بلا رؤية، بلا مشروع، وبلا روح سياسية حقيقية.
عهد العمدة نبيلة الرميلي أصبح مرادفًا لفترة يتسع فيها الريع وتتراجع فيها الحكامة، بينما يتقلص حضور السياسة بمعناها النبيل، ليحل محلها منطق المصالح والصفقات والولاءات الظرفية.
المدينة التي كانت يومًا فضاءً لزعامات تاريخية صنعت القرار وأثرت في الرأي العام، تحوّلت اليوم إلى ساحة تدبيرية تفتقد لأبسط مقومات التخطيط الحضري الاستراتيجي.
فبدل المبادرة والإصلاح والجرأة، يطغى على المشهد خطاب بروتوكولي خالٍ من المضمون، وقرارات مترددة لا ترقى إلى معالجة مشاكل النقل، والنظافة، والبنية التحتية، وتدبير المرفق العمومي، والعدالة المجالية بين الأحياء.
توسع مظاهر الريع داخل المنظومة التدبيرية للمدينة لم يعد مجرد انطباع شعبي، بل أصبح واقعًا يلمسه كل فاعل اقتصادي، وكل مقيم، وكل متابع للشأن المحلي.
من الصفقات التي تُدار خلف الستار، إلى الامتيازات التي تُمنح بلا معايير واضحة، مرورًا بتضارب المصالح الذي يطل برأسه عند كل محطة، يبدو أن العاصمة الاقتصادية تُستنزف من الداخل، في غياب مؤسسات حزبية قوية قادرة على لعب دور الرقابة والتقويم.
وراء هذا التسيير المرتبك، يقف فراغ سياسي خطير، فالأحزاب التي كانت يومًا تُخرّج قيادات وطنية، اختفت أو تراجعت إلى الخلف، تاركةً الساحة لوجوه إدارية أكثر مما هي سياسية، لا تحمل مشروعًا للمدينة ولا رؤية للمستقبل، ففي غياب الزعامة، تضيع البوصلة، وفي غياب المشروع، يصبح الريع هو البديل الطبيعي.
البيضاويون يشعرون اليوم بأن مدينتهم تُدار بمنطق التسيير اليومي، لا بمنطق البناء المستقبلي، فلا خطة واضحة للنقل العصري، ولا رؤية لمعالجة أزمة السكن، ولا إرادة لتجويد الفضاء العمومي، ولا جرأة لفتح ملفات الحكامة والشفافية.
ومع كل هذا، يتواصل النزيف المالي والاقتصادي داخل دواليب المؤسسات، وكأن العاصمة الاقتصادية تحولت إلى “غنيمة” بدل أن تكون ورشًا وطنيًا مفتوحًا للإصلاح.
التاريخ القريب يثبت أن هذه المدينة، حين تتوفر على قيادة حقيقية وروح إصلاحية، قادرة على التحول بسرعة وإحداث الفرق، لكن ما يحدث اليوم هو العكس؛ ارتباك في القرار، غياب للمشروع، وتمدّد مستمر لمنطق الريع الذي يلتهم ما تبقى من ثقة المواطنين في العمل السياسي.
الدار البيضاء لا تحتاج إلى مسيّرين إداريين، بل إلى رؤية وزعامة وجرأة، لا تحتاج إلى تبرير الأعطاب، بل إلى مساءلة أصلية ومعالجات جذرية، ولا تحتاج إلى محاباة اللوبيات والمصالح، بل إلى تحصين المال العام وقطع الطريق على كل أشكال الريع.
وإلى أن يأتي ذلك اليوم، ستبقى العاصمة الاقتصادية تدفع ثمن تسيير بلا مشروع، وريع يزداد تغوّلًا في عهد العمدة الرميلي، بينما تنتظر المدينة من يعيد لها بريقها ودورها كقاطرة حقيقية للتنمية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد