هبة زووم – محمد خطاري
في خطوة استباقية تؤسس لإطار قانوني شامل استعدادًا للاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، قدم وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، يوم الأربعاء، أمام لجنة الداخلية بمجلس النواب، عرضًا مفصلاً استراتيجيًا حول مشاريع القوانين الانتخابية الجديدة.
العرض لم يقتصر على الجوانب التنظيمية التقليدية، بل كشف عن رؤية شاملة لتجديد العملية الانتخابية على المستويات السياسية، التشريعية، الميدانية، والرقمية، بما يهدف إلى تعزيز مصداقية المؤسسات الديمقراطية وبناء الثقة بين المواطنين والبرلمان.
تخليق الحياة السياسية: معيار النزاهة والاستقامة
اعتبر الوزير أن التحدي الأكبر الذي يواجه التجربة الديمقراطية الوطنية هو تخليق الحياة السياسية والانتخابية، وهو ما يتطلب تحديد معايير صارمة للترشح ومكافحة الممارسات غير النزيهة.
وشملت المقترحات الأساسية في هذا الإطار:
– منع الترشح للأشخاص المتابعين قضائيًا في قضايا تتعلق بالنزاهة والصدق السياسي، أو الذين صدرت في حقهم أحكام استئنافية بالإدانة، أو الذين تعرضوا لعزل من مسؤوليات انتخابية سابقة.
– تمديد فترة المنع من الترشح للمعزولين من فترة انتدابية واحدة إلى مدتين كاملتين، لضمان التزام المسؤولين الجدد بالنزاهة في تدبير الشأن العام.
– تجريم التدخلات الانتخابية غير المشروعة، بما في ذلك استغلال النفوذ أو المنصب العام، مع منع المسؤولين والموظفين الذين مارسوا هذا النوع من التأثير من الترشح في الدوائر التي كانوا يعملون بها.
هذه الإجراءات تعكس حرص وزارة الداخلية على إرساء قواعد واضحة للانتخابات، وتحد من الانتقائية والممارسات المشكوك فيها التي كانت تشوب التجربة الانتخابية السابقة.
مواجهة التحديات الرقمية والجرائم الانتخابية
مع انتشار وسائل الاتصال الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبح التأثير على إرادة الناخبين أداة خطيرة للتلاعب بالنتائج.
ومن هنا جاء الاهتمام بإدماج آليات حماية العملية الانتخابية من الانتهاكات الرقمية:
– تجريم نشر الأخبار الزائفة أو الصور المركبة بقصد التشهير بالمترشحين أو التأثير على نتائج الانتخابات.
– تشديد العقوبات المالية والسالبة للحرية، بما في ذلك إعادة تصنيف بعض الجرائم الانتخابية إلى جنايات بسبب جسامتها، مثل اقتحام مكاتب التصويت أو التلاعب في النتائج بالقوة.
– منع استخدام المنصات الرقمية الأجنبية لبث الإعلانات الانتخابية أو نشر المعلومات بهدف التأثير على النتائج، بما يضمن حماية السيادة الوطنية والحفاظ على نزاهة العملية الانتخابية.
هذه الخطوة تؤكد إدراك الوزارة للتحديات الرقمية الحديثة، وسعيها للتوازن بين حماية حرية التعبير وضمان مصداقية الانتخابات.
تعزيز مشاركة النساء والشباب: رافعة للإدماج السياسي
شكلت تمثيلية النساء والشباب محورًا أساسيًا في مشاريع القوانين، وهو ما يعكس التوجه الرسمي لتعزيز مشاركة الفئات المهمشة تاريخيًا في الحياة السياسية:
النساء: إنشاء دوائر انتخابية جهوية خاصة بالترشيحات النسوية، مع السماح بالترشح المحلي لضمان استمرارية المقاعد النسوية. تهدف هذه الآلية إلى تمكين النساء تدريجيًا من المشاركة الفعلية في الانتخابات المحلية والجهوية، وبناء قاعدة قوية لتمثيلهن في البرلمان.
الشباب: تقديم تحفيزات مالية للوائح الشباب المستقلين أو المنتمين للأحزاب، مع تحديد حد أقصى للعمر بـ35 سنة، وتشجيع التناوب بين الجنسين في اللوائح.
تبسيط شروط الترشح للشباب المستقلين عبر اعتماد توقيعات الناخبين بدل المنتخبين، مع إلزامية نسبة 30% نسائية على المستوى المحلي و50% على المستوى الجهوي، لتقوية مشاركة النساء في اللوائح الشبابية.
هذه التدابير لا تهدف فقط إلى زيادة عدد المقاعد النسوية والشبابية، بل تشكل آلية تشجيع لظهور قيادات جديدة، وتجديد المشهد السياسي الوطني.
تحديث الإجراءات العملية والرقمنة: نحو انتخابات سلسة وشفافة
في محور إداري وتنظيمي، ركز مشروع القانون على الرقمنة وتبسيط الإجراءات العملية لضمان فعالية أكبر:
– إيداع الترشيحات عبر منصة إلكترونية، مع إصدار وصل مؤقت ورقم ترتيب تلقائي لتسهيل تسجيل المترشحين والحد من الأخطاء الإدارية.
– تسهيل التصويت للناخبين المغاربة المقيمين بالخارج، مع فرض آليات رقابية لضمان سلامة العملية الانتخابية.
– نقل الطعون الانتخابية إلى المحاكم الابتدائية الإدارية، مع إمكانية الطعن أمام محكمة النقض خلال 24 ساعة، لتسريع الفصل وتقليل التعطيل في إعلان النتائج.
توجه استشرافي: بناء انتخابات حرة ونزيهة
تأتي هذه الإصلاحات في سياق سعي الحكومة إلى تحقيق انتخابات حرة ونزيهة، تزيد من مشاركة المواطنين وتعزز شرعية المؤسسات التشريعية.
ولعل الأهم أن هذه الإصلاحات تمثل إطارًا قانونيًا متكاملاً يوازن بين التدابير الزجرية والتحفيزية والتنظيمية، مع مراعاة التحديات الرقمية الحديثة وضرورة إشراك الشباب والنساء في الحياة السياسية.
كما يعكس العرض أمام البرلمان إرادة واضحة لبناء نموذج ديمقراطي متجدد، يعتمد على النزاهة والشفافية ويضمن قدرة المؤسسات النيابية على مواجهة التحديات الوطنية المقبلة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.
الرؤية الشاملة للأثر المتوقع
تأتي هذه الإصلاحات في سياق سعي وزارة الداخلية إلى تحقيق انتخابات حرة ونزيهة، تزيد من مشاركة المواطنين، وتعزز شرعية المؤسسات التشريعية، عبر دمج معايير النزاهة، وحماية العملية الانتخابية، وتشجيع الشباب والنساء على الانخراط في الحياة السياسية.
كما يعكس العرض حرص الحكومة على مواكبة التحولات الرقمية والتحديات الحديثة، مع بناء آليات واضحة للرقابة والمتابعة لضمان تنفيذ القانون بفعالية.
وفي مجملها، تعكس كلمة وزير الداخلية أمام البرلمان إرادة واضحة لتطوير النموذج الديمقراطي المغربي، عبر مزيج من التدابير الزجرية، التحفيزية، والتنظيمية، بهدف بلورة انتخابات شفافة، عادلة، وممثلة لمختلف الفئات الاجتماعية، بما يضمن قدرة المؤسسات النيابية على الاضطلاع بمهامها ومواجهة التحديات الوطنية المقبلة.
تعليقات الزوار