بورصة التزكيات تشتعل في الرشيدية ومن يدفع أكثر يحكم الإقليم

هبة زووم – الرشيدية
مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، تعود إلى الواجهة بإقليم الرشيدية ظاهرة مألوفة لكنها مثيرة للقلق: سباق النخب المحلية نحو تزكيات الأحزاب، وكأنها غنيمة سياسية لا مجال فيها للكفاءة أو التغيير.
في مشهد يطغى عليه منطق الولاء الشخصي والمالي، أضحت بورصة الترشيحات تتحرك بميزان “من يدفع أكثر”، في وقت يعيش فيه الإقليم على وقع ركود تنموي مزمن رغم مرور عقود من الوعود والمشاريع المؤجلة.
لم تعد المفاجأة اليوم أن نجد الأسماء نفسها تعود إلى الواجهة الانتخابية في كل دورة، فالأحزاب السياسية بالإقليم اعتادت تزكية نفس الوجوه التي ارتبطت في أذهان الساكنة بالوعود غير المنجزة وبضعف الأداء التمثيلي داخل المؤسسات المنتخبة.
بل أكثر من ذلك، باتت هذه النخب تعتبر التزكية حقًا مكتسبًا لا يخضع للتقييم أو المحاسبة، فيما تحوّلت بعض الدوائر إلى إقطاعيات انتخابية مغلقة تُدار بمنطق الإرث العائلي والسياسي.
ويشير متتبعون إلى أن بعض الوجوه المألوفة تحاول التمهيد لتوريث أبنائها أو أقربائها التزكيات الحزبية، في ما يشبه “التوريث الانتخابي” الذي يُفرغ الديمقراطية من محتواها ويجعل من العمل السياسي مجالاً لتقاسم النفوذ والمصالح، لا لخدمة المواطن والتنمية المحلية.
وتزامنًا مع هذه الدينامية المشبوهة، تحدثت تقارير للمفتشية العامة للإدارة الترابية والمجلس الجهوي للحسابات عن خروقات وتجاوزات مالية وتدبيرية تخص عدداً من الجماعات الترابية بالإقليم.
هذه التقارير – التي لم يُتخذ في شأنها بعدُ ما يكفي من إجراءات المحاسبة – تضع علامات استفهام كبرى حول مدى أهلية بعض المنتخبين لمواصلة تحمل المسؤولية، في ظل دعوات متزايدة من المجتمع المدني لضخ دماء جديدة في المشهد السياسي المحلي.
المغرب يعيش اليوم تحولًا سياسيًا ومؤسساتيًا عميقًا، يوازيه حراك مجتمعي شبابي متزايد للمطالبة بتمثيلية حقيقية تواكب طموحات المواطنين.
لكن في الرشيدية، ما زال المشهد الانتخابي أسير ذهنيات تقليدية ترى في السياسة وسيلة للحفاظ على الامتيازات، لا وسيلة للتعبير عن إرادة التغيير.
وحسب استطلاعات وآراء محلية، فإن استمرار النخب ذاتها على رأس المسؤوليات يسيء إلى صورة الأحزاب السياسية ويفاقم أزمة الثقة بينها وبين الناخبين، مما ينذر بارتفاع نسبة العزوف الانتخابي ما لم يحدث تجديد فعلي للنخب.
فحين تتغلب علاقات القرابة والمصالح على الكفاءة والاستحقاق، تصبح العملية الانتخابية مفرغة من مضمونها الديمقراطي، وتتحول اللوائح الحزبية إلى قوائم عائلية يتم إعدادها خلف الكواليس، وفق منطق “الأقربون أولى بالتزكية”، أو “من يملك أكثر يحظى بالدعم الأكبر”.
بهذه العقلية، يصعب الحديث عن إصلاح سياسي حقيقي، لأن الريع الانتخابي والزبونية لا تزالان تتحكمان في مفاصل المشهد المحلي.
المرحلة القادمة، كما يشير عدد من المحللين، تتطلب جيلًا جديدًا من المنتخبين يملكون الكفاءة والإرادة والنزاهة، بعيدًا عن شبكات المصالح التي سيطرت على المشهد لعقود.
فالرهان الحقيقي في انتخابات 2026 ليس فقط على التنافس بين الأحزاب، بل على قدرتها على تجديد نخبها وإعادة الثقة إلى المواطن الذي سئم من إعادة إنتاج نفس الوجوه والخطابات.
إقليم الرشيدية يقف اليوم أمام لحظة مفصلية لا تحتمل التردد، إما أن تكون انتخابات 2026 محطة لبداية التغيير وتجديد الدماء السياسية، أو تتحول إلى فصل جديد من الإحباط الشعبي واستمرار هيمنة النخب التقليدية التي حولت السياسة إلى مهنة للاغتناء والصفقات.
فهل ستتحمل الأحزاب مسؤوليتها التاريخية وتقطع مع منطق التوريث والمحاباة؟ أم سيبقى الإقليم رهينة في يد نفس الوجوه التي اعتادت تقاسم الغنائم الانتخابية بينما ظلت التنمية غائبة والمشاريع المؤجلة شاهدة على العجز؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد