اسليماني م.عبد الله – الرشيدية
تواصل الدولة المغربية تعزيز دينامية الاستثمار الجهوي عبر إطلاق نظام جديد لدعم المقاولات الصغيرة جدًا والصغرى والمتوسطة، في إطار إصلاح شامل للمنظومة الوطنية للاستثمار، مستند إلى التوجيهات الملكية الهادفة إلى جعل الاستثمار المنتج رافعة أساسية للتنمية وتقليص الفوارق.
ويُعد هذا البرنامج إحدى أبرز الآليات التي يمكن أن تُحدث فرقًا حقيقيًا في مناطق مثل الرشيدية، التي تحتاج إلى تحفيز اقتصادي قوي ومتواصل.
يرتكز النظام الجديد على رؤية تجعل من المقاولات الصغرى ركيزة للنمو المحلي، بالنظر إلى دورها في خلق مناصب الشغل وتشجيع الابتكار.
ويستهدف هذا النظام كل شركة يتراوح رقم معاملاتها بين مليون و200 مليون درهم، مع تمكين المقاولات المنشأة حديثًا من الاستفادة حتى قبل تحقيق رقم معاملات فعلي، وهو ما يفتح الباب واسعًا أمام المبادرات الشبابية في المناطق الداخلية كالراشيدية.
ويستفيد المستثمرون من ثلاث منح يمكن جمعها في حدود 30 في المائة من قيمة المشروع: منحة لإحداث مناصب الشغل القارة، منحة ترابية، ومنحة خاصة بالأنشطة ذات الأولوية. وتكتسي المنحة الترابية أهمية خاصة لفائدة الأقاليم الأقل جاذبية، إذ يمكن أن تصل إلى 15 في المائة بالنسبة للرشيدية، مما يشجع على خلق وحدات إنتاجية حقيقية في المنطقة.
ورغم أهمية هذه الحوافز، فإن التجربة الميدانية تظهر مجموعة من السلبيات والتحديات التي قد تعيق تحقيق الأثر المنتظر، ومنها:
أولًا: تعقيد المساطر الإدارية
رغم توفر المنصة الرقمية، فإن إعداد الملف يتطلب عدة وثائق، منها القوائم المالية، الشهادات الجبائية والاجتماعية، وعقود الملكية أو الكراء.
هذا التعقيد يشكل عائقًا أمام المقاولات الصغيرة جدًا التي لا تتوفر على موارد بشرية أو استشارية كافية.
ثانيًا: ضعف قدرات المرافقة التقنية في بعض الجهات
على الرغم من الجهود الكبيرة للمراكز الجهوية للاستثمار، فإن بعض المقاولين في المناطق البعيدة يعانون من ضعف المواكبة، خصوصًا في إعداد دراسة الجدوى وتحديد طبيعة الاستثمار المؤهل للدعم.
ثالثًا: شرط التمويل الذاتي بنسبة 10 في المائة
بالنسبة لمقاولات في مناطق مثل الرشيدية، حيث الولوج إلى التمويل البنكي يظل محدودًا، يشكل هذا الشرط عقبة حقيقية، لأن العديد من الشباب لا يتوفرون على رأسمال شخصي يمكنهم من الانطلاق.
رابعًا: اشتراط خلق مناصب شغل قارة لمدة لا تقل عن 18 شهرًا
على الرغم من أهمية هذا الشرط لضمان التشغيل، إلا أنه يمثل ضغطًا إضافيًا على المقاولات الصغيرة جدًا التي تبدأ غالبًا بإمكانات محدودة، وقد يحد من قدرتها على الاستفادة من المنحة.
خامسًا: ضعف الوعي بالبرنامج داخل العالم القروي والمراكز الصغرى
لا تزال فئات واسعة من المستثمرين المحتملين خارج دورة المعلومة، بسبب غياب حملات تواصلية كافية أو عدم انتشار ثقافة الاستثمار في بعض الجماعات القروية.
سادسًا: محدودية الأنشطة المؤهلة
بعض المشاريع المحلية ذات الطابع التقليدي أو الخدماتي البسيط لا تدخل ضمن الأنشطة ذات الأولوية، مما يقصي فئات من المقاولين الذين يشكل نشاطهم جزءًا من النسيج الاقتصادي المحلي.
ومع ذلك، فإن الإيجابيات التي يقدمها البرنامج تظل ذات وزن كبير، خاصة في منطقة مثل الرشيدية التي تتمتع بإمكانات مهمة في الفلاحة التحويلية، الطاقة الشمسية، الصناعة التقليدية المتطورة، السياحة البيئية، والخدمات الرقمية.
ويمكن لهذه الآلية أن تشكل تحولًا اقتصاديًا حقيقيًا إذا تم تعزيز الحكامة، تبسيط المساطر، وتوفير مواكبة تقنية ومالية فعالة للمستثمرين.
إن نجاح هذا البرنامج يتطلب تعبئة جميع الفاعلين: المراكز الجهوية للاستثمار، الجماعات الترابية، القطاع البنكي، والغرف المهنية، بهدف جعل هذا النظام ليس فقط آلية لمنح الدعم، بل منصة شاملة لتطوير المشاريع وضمان استدامتها.
وهكذا يمكن للرشيدية أن تستفيد من هذه الفرصة الاستراتيجية لتأسيس نواة اقتصادية قادرة على خلق الثروة وتوفير مناصب الشغل، في إطار رؤية وطنية تُسهم في تحقيق عدالة مجالية حقيقية وتفتح آفاقًا جديدة أمام الشباب والمقاولات الناشئة.
تعليقات الزوار