هبة زووم – محمد أمين
من يزور فاس اليوم لأول مرة قد يقع في حبها بسهولة: عمق تاريخي يُطلّ من كل زاوية، وجمال معماري يُذكّر بزمن كانت فيه المدينة عاصمة للعلم والروح والمعرفة.
لكن الحقيقة التي يعيشها سكانها تختلف تماماً عن الصورة التي تُسوَّق للسياح. ففاس ليست فقط تلك الواجهة الجميلة، بل مدينة تتآكل طبقاتها الاجتماعية من الداخل، وتترنّح تحت ضغط واقع يومي يزداد اختناقاً.
المفارقة التي يشبّهها البعض بالبرازيل ليست مبالغة؛ فكما هو الحال في ذلك البلد الذي انهارت فيه الطبقة الوسطى تقريباً، باتت فاس اليوم مدينة بطبقتين: أقلية تنعم بكل مظاهر الرفاهية، وأغلبية تغرق في قلق اقتصادي واجتماعي متصاعد، فيما تتقلص الطبقة المتوسطة التي كانت لعقود عماد الاستقرار، والنتيجة: فراغ اجتماعي خطير يوفّر كل شروط الانفجار.
لم تعد فاس تلك المدينة التي تتعايش فيها الأصالة والطمأنينة، ولا ذلك الفضاء الذي يوازن بين هدوء العيش وكرامة السكان. فاليوم، تشتدّ ضغوط الحياة: غلاء متصاعد، بطالة تنخر الأحياء الشعبية، خدمات عمومية تتراجع، وتفاوتات صارخة تخرج للعلن مع كل أزمة.
وحين يتحدث البعض عن “الاختناق”، فهم لا يستعملون الكلمة مجازاً، إنها الحقيقة التي يصف بها كثير من المواطنين وضعهم اليومي، بعد أن أصبحت الظروف الاجتماعية أكثر قسوة ممّا يحتمله العيش الكريم.
المدينة تستقبل منذ سنوات موجات متتالية من المهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء. مشهد أصبح جزءاً من الحياة اليومية: شباب ينامون في الحدائق العمومية، أسر تبحث عن قوت يومي، وآخرون يُجبرون على التسول أو الغناء في الشوارع وإشارات المرور.. واقع يضع فاس أمام تحديات إنسانية وأمنية واجتماعية معقدة، بينما الحلول لا تزال سطحية أو غائبة تماماً.
في خضم هذا المشهد، يظل المواطن البسيط آخر من يتم وضعه في الحسبان. فالقرارات تُتخذ في الغرف المغلقة، والمشاريع تُنفَّذ لصالح لوبيات تعرف جيداً كيف تُميل الكفة لصالحها.
أما المواطن؟ فهو مجرّد متفرج على لعبة لا يتحكم في قواعدها، لعبة تُبقي السوق مفتوحاً والميزان مختلاً… إلى أجل غير مسمى.
اليوم، يُطرح سؤال حارق: هل ينجح وزير الصحة السابق خالد أيت الطالب في إعادة جزء من التوازن الذي خسرته فاس؟ هل يملك الأدوات والإرادة لكسر التحالفات التي حولت خدمات المدينة إلى معركة يومية يخوضها المواطن الأعزل؟ وهل يستطيع إصلاح ما أفسده الدهر، أم أن قطار المدينة دخل مرحلة انحدار يصعب توقيفها؟
المدينة تحتاج إلى أكثر من ترقيعات ظرفية، تحتاج إلى سياسة اجتماعية قوية، ورؤية حضرية جديدة، واسترجاع دور الدولة كموازن اجتماعي يحمي الطبقة المتوسطة قبل أن تختفي نهائياً.
تعليقات الزوار