هبة زووم – أبو العلا العطاوي
في مغرب اليوم، حيث يُفترض أن تكون الانتخابات لحظة لتجديد الثقة وإعادة تشكيل التمثيلية على أسس الكفاءة والمصداقية، نجد أن بعض الأقاليم – وعلى رأسها الرشيدية – تسير في الاتجاه المعاكس، وكأنها لم تغادر بعد زمن “السياسة الوراثية” التي تعيد إنتاج نفس الوجوه والولاءات منذ عقود.
هنا، لا تُمنح التزكيات على أساس البرامج ولا تُقاس الشعبية بمدى خدمة الصالح العام، بل تُباع وتُشترى بميزان النفوذ والقرابة والمال… في سوق انتخابية مفتوحة على كل أشكال العبث السياسي.
إنّ ما يجري في الرشيدية ليس مجرد صراع حول المقاعد، بل هو صراع على البقاء داخل منظومة مغلقة، جعلت من العمل الحزبي أداة للحفاظ على الامتيازات، ومن الديمقراطية واجهة تجميلية تُدار من خلف الستار.
فحين يصبح الأب نائبًا، والابن مستشارًا، وابن العم مرشحًا باسم الحزب ذاته، ندرك أن العملية الانتخابية لم تعد تنافسًا ديمقراطيًا، بل توريثًا منظّمًا للنفوذ.
الأخطر من ذلك أن بعض هذه الوجوه، التي تعود إلى الواجهة مع كل استحقاق انتخابي، تورطت في ملفات تدبيرية ومالية سجلتها تقارير رسمية صادرة عن المجلس الجهوي للحسابات والمفتشية العامة للإدارة الترابية، ومع ذلك ما تزال تجد الطريق سالكًا نحو التزكية، في مشهد يختزل بوضوح أزمة الأحزاب المغربية في بعدها الأخلاقي والتنظيمي.
لقد تحولت الرشيدية إلى مختبر مصغر لأزمة السياسة في المغرب، حيث يلتقي الريع الانتخابي بالجمود الحزبي في معادلة قاتلة للتنمية. فالإقليم الذي كان يمكن أن يكون نموذجًا في الاستثمار في الرأسمال البشري والشبابي، أصبح رهينة حسابات ضيقة تتحكم فيها نخب فقدت الحس الوطني، وانشغلت بتثبيت شبكات المصالح أكثر من انشغالها بخلق التغيير.
ولأن السياسة لا يمكن أن تظل مهنة للوراثة، فإن انتخابات 2026 ستكون لحظة اختبار حقيقية: هل ستملك الأحزاب الشجاعة لقطع الحبل السري مع الماضي، وتجديد نخبها بما ينسجم مع روح المرحلة؟ أم ستواصل لعبة “الوجوه المتوارثة” التي جعلت من الترشح امتيازًا عائليًا محروسًا بالنفوذ والمال؟
إنّ الرهان في الرشيدية اليوم لا يتعلق بمقعد انتخابي أو دائرة حزبية، بل بمستقبل الديمقراطية نفسها. فإما أن تنتصر الكفاءة والنزاهة وتُفتح الأبواب أمام جيل جديد من السياسيين، وإما أن يستمر المشهد في دورانه العقيم، حيث يتوارث البعض المقاعد كما تُورث العقارات، وحيث تبقى التنمية مؤجلة إلى إشعار آخر.
تعليقات الزوار