حملة بريد بنك3
حملة بريد بنك 2

الرشيدية.. حين تصبح السياسة سوقا لـ”التفرقيش” ويتحول الكرسي إلى سلعة ويمسي التغيير مجرد شعار

هبة زووم – أبو العلا العطاوي
تعيش الرشيدية على وقع مشهد سياسي ملتبس، يبدو في ظاهره تنافساً ديمقراطياً عادياً، وفي باطنه “سوق عكاظ” من نوع آخر؛ سوق لا تُباع فيه البهائم، بل تُباع فيه المواقع والولاءات، وتُقدّر فيه المناصب بميزان “التْفَرْقيشْ”، حيث تختلط الغنائم بالصفقات، ويصبح الكرسي أثمن من المصلحة العامة، بل ومعبوداً جديداً في معبد السلطة.
رحلة الأنا السياسية هنا تبدأ من علاقة غريبة بين عشق الكرسي وحب النفوذ؛ علاقة تشبه “زواج الإكراه”، يلتصق فيها المسؤول بالمقعد حتى آخر رمق، ولا يترجل إلا إذا خذله الزمن أو أُجبر على الهبوط.
فالمناصب ليست ملكاً دائماً، لكن في هذه المنطقة بالذات، يظن البعض أن الكرسي امتداد طبيعي لوجوده، لا يتغير إلا بتغيّر الفصول.
في سوق السياسة هذا، يصعد الخطاب إلى مستوى العبث. فكما يُباع السردين بخمسة دراهم وتُفرّط الأبقار بثمن بخس، تُعرض “المقاعد” أيضاً في مزاد غير معلن.
هنا، يفقد كل شيء معناه: لا فرق بين نائب منتخب و”عجلٍ” يُوزن بالكيلوغرام، كلاهما يخضع لميزان المنافع، لا ميزان الكفاءة.
يتحول المشهد إلى مهرجان كبير، تُقدّم فيه الوجوه نفسها التي شاخت على الكراسي، تمشي فوق نسيج متآكل، ما زالت تعتقد أن الزمن توقف عندها، وأن الرشيدية إرث خاص لا يجوز أن يغادر قبضة الحرس القديم.
أغرب ما في المشهد أن “العناكب السياسية” ما زالت تبذل جهداً خارقاً لحجب الضوء عن أي مشروع جديد، وكأن كل مبادرة شبابية تهديد مباشر لوجودها.
فالشباب هنا ليسوا منافسين، بل “عاصفة” يخشاها هذا الحرس المتكلّس، عاصفة تعرف أن لا مكان للجمود في عالم يتغير بسرعة.
يحاربون المشاريع الناشئة لأنهم يعرفون مسبقاً أن المستقبل لا يرحم الأنظمة الهرمة، لكن الحقيقة التي يتجنّبون الاعتراف بها أن هذه المواقع لم تعد ملكاً لهم، وأن الكراسي التي يتشبثون بها أصبحت جزءاً من الماضي.
يبقى السؤال الجوهري الذي يتردد في أذهان المواطنين: لماذا يتمسك المسؤولون بمناصبهم حتى آخر رمق؟
الجواب بسيط ومؤلم: لأن الكرسي هنا ليس وسيلة لخدمة الناس، بل مصدر السلطة والجاه والامتيازات، فإذا غادره المسؤول، فقد كل شيء.
ولأنهم يعرفون هذه الحقيقة، فهم لا يتركون الكرسي إلا حين يتركهم.
وسط هذا المشهد المزدحم بالولاءات والمصالح، يظهر جيل جديد بدأ ينسلّ بهدوء وسط الحرس القديم، يراقب، يدرس، يفهم، ثم يطرح نفسه كفجر جديد يقطع مع سنوات التكلس.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل سينجح هذا الجيل في زرع شجرة مختلفة تُثمر تغييراً حقيقياً؟ أم سنكتشف في النهاية أنها مجرد شجرة أخرى في غابة قديمة أوراقها تتساقط مع أول هبة ريح؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد