إنجازات على المنصة وأزمات على الأرض: هكذا اختار “كرنفال أخنوش” تسويق وهم التنمية والمنجزات بالرشيدية؟

هبة زووم – أبو العلا العطاوي
في الوقت الذي تنتظر فيه جهة درعة تافيلالت حلولاً واقعية لأزماتها المتراكمة، فضّل رئيس الحكومة عزيز أخنوش أن يحلّ ضيفاً على الرشيدية عبر جولة دعائية بلمسة “كرنفالية”، تجمع بين الأضواء الكاشفة، وتصفيقات الحاضرين، وشعارات الإنجاز التي تتكرر أكثر مما تتحقق.
كرنفال اختلط فيه السياسي بالاستعراضي، حتى بات المشهد أقرب إلى حملة انتخابية سابقة لأوانها منه إلى لقاء حكومي يلامس مشاكل الجهة.
على المنصة، كان أخنوش يسرد المنجزات كما لو أنه يروي قصة نجاح مكتملة، تحدّث عن الفلاحة والسياحة والتعليم والصحة، وعن تدفقات استثمارية بمليارات الدراهم، وعن آلاف فرص الشغل التي لا يعرف سكان الجهة من هم أصحابها ولا أين توجد مواقعها.
لكن على الأرض، كانت الصورة مغايرة تماماً: اقتصاد محلي في غرفة الإنعاش، مؤشرات تنمية بالكاد تتحرك، شباب بلا آفاق، جماعات ترابية يسيطر عليها حزب الأحرار لكن دون أن تقدم نموذجاً ملهماً في التدبير، ومؤسسات جهوية يتصدرها منتخبون يعيشون بدورهم أزمات داخلية واتهامات بالتقصير.
لم تجد الوصفات الحكومية المروَّجة في الكرنفال طريقها إلى حلّ المشاكل الحقيقية: غلاء معيشي يخنق الأسر، أسعار ترتفع بلا سقف، مصحات خاصة منفلتة من الرقابة، خدمات صحية هشة، وجامعة ما تزال تنتظر الاستقلال المؤسسي الذي تطالب به ساكنة الجهة منذ سنوات.
أما المشاريع التي تحدث عنها الوزير كرم زيدان – 1059 مشروعاً بـ42 مليار درهم – فقد بقيت مجرد أرقام بلا عنوان، لا يُعرف موقعها ولا أثرها المحسوس على الجهة، باستثناء حضورها المتكرر في الخطابات.
وبعيداً عن الواقعية، وجّه أخنوش أصابع الاتهام إلى حزب العدالة والتنمية، متهماً إياه بـ”حجب الحقيقة” خلال ولايتين حكوميتين كان خلالهما التجمع الوطني للأحرار يتولى أبرز الحقائب الوزارية، وعلى رأسها الفلاحة التي قادها أخنوش نفسه لأكثر من عقد.
واستعاد الحاضرون ملف الـ50 مليار درهم الموجهة لتنمية العالم القروي، والتي انتزعها أخنوش من سلطة رئاسة الحكومة في عهد عبد الإله بنكيران، وهو ملف لا يزال يثير جدلاً واسعاً إلى اليوم.
بالنسبة لعدد من المتتبعين اليوم، لم يكن “كرنفال أخنوش” سوى بروفة انتخابية مكتملة الأركان، فالحزب يستعد مبكراً لمعركة 2026، يسابق الزمن لإعادة بناء شعبيته المتآكلة، ويعيد تسويق صورته عبر جولات استعراضية ذات تكلفة ضخمة.
لكن ما أثار انتباه الكثيرين هو السرعة التي يتحرك بها رئيس الحكومة للحفاظ على رئاسة الحكومة لولاية ثانية، في سياق سياسي لا يقبل بحزب واحد مهيمن.
خصوصاً بعد أن سحب وزير الداخلية الإشراف المباشر على الانتخابات من يد الحكومة، مما جعل الحزب يبحث عن تعويض نفوذه عبر هذه العروض الجماهيرية المكلفة.
لم تُقنع خطابات أخنوش ولا بايتاس ولا السعدي ولا شباعتو ولا حتى رئيس الجهة أهرو أبرو ساكنة الجهة، التي باتت تدرك أن الكلام الملمّع لا يرمم مستشفيات متهالكة، ولا يخلق استثمارات غائبة، ولا يطمئن شباباً يهاجرون يومياً نحو مدن أخرى بحثاً عن فرصة حقيقية.
بل إن أغلب المجالس الجماعية المسيرة من طرف حزب الأحرار في الجهة تُتهم اليوم بعدم القدرة على التجاوب مع حاجيات المواطنين أو تقديم رؤية تنموية واضحة، أما الغرف المهنية، فبعض رؤسائها يعيشون تهديدات بالإقالة أو شبه اختفاء كامل عن المشهد.
منذ سنوات، تحلم جهة درعة تافيلالت بنقلة تنموية حقيقية، لكنها تجد نفسها في كل مرة أمام نفس المعادلة: خطابات رسمية تتحدث عن “الريادة”، وواقع ميداني يزداد هشاشة.
بين منصة مزينة بالألوان ورحلات منظمة بحافلات محبي “الحمام”، وبين ساكنة تكابد قسوة الظروف، يبدو أن الكرنفال كان مجرد محاولة أخرى لتجميل ما لا يمكن تجميله.
ما حدث في الرشيدية ليس حدثاً عادياً، إنه علامة فارقة على تحوّل السياسة إلى عرض ترفيهي، تُستعمل فيه المنصات والإضاءة بدل البرامج، والشعارات بدل المشاريع، والتصفيقات بدل المحاسبة.
لكن ما ينساه القائمون على هذا الكرنفال هو أن المواطنين لم يعودوا يبحثون عن الخطابة، بل عن أثر، ولا يريدون أضواء، بل خدمات، ولا يحتاجون شعارات، بل حلولاً.
وإلى أن تتحول الوعود إلى مشاريع حقيقية، سيظل سؤال ساكنة الجهة مطروحاً: هل نعيش فعلاً زمن الإنجازات… أم زمن تسويق الإنجازات؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد