هبة زووم – الرباط
كشف والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، خلال الندوة الصحافية التي أعقبت اجتماع مجلس بنك المغرب، أنه أحال تقريرًا مفصّلًا حول الانتشار الواسع للتعامل بالنقد (الكاش) على كل من رئيس الحكومة ووزارة الاقتصاد والمالية، مؤكدًا أن الاستراتيجية التقنية لمحاصرة هذه الظاهرة جاهزة منذ سنوات ولم تعد في حاجة إلى تشخيص إضافي.
هذا التصريح يعيد طرح سؤال جوهري ظل معلقًا داخل دوائر القرار: إذا كانت الأدوات التقنية متوفرة، والتشخيص مؤكدًا، فما الذي يفسر بقاء استراتيجية محاربة “اقتصاد الكاش” حبيسة الأدراج إلى اليوم؟
فالتعامل المكثف بالنقد لم يعد مجرد سلوك استهلاكي أو عرف اقتصادي، بل تحول إلى بنية موازية تُغذّي التهرب الضريبي، وتضرب مبدأ المنافسة الشريفة، وتُقوّي الاقتصاد غير المهيكل على حساب المقاولات الملتزمة بالقانون، ناهيك عن دوره في تعقيد جهود الدولة لتوسيع الوعاء الضريبي وتمويل السياسات الاجتماعية.
الأخطر من ذلك أن “اقتصاد الكاش” يفرغ عددًا من الإصلاحات الكبرى من محتواها، سواء تعلق الأمر برقمنة المعاملات، أو بتتبع حركة الأموال، أو بمحاربة الفساد وغسل الأموال.
ومع ذلك، ورغم التحذيرات المتكررة من بنك المغرب، لا تزال المقاربة الحكومية تتسم بالتردد، وكأن مواجهة هذا الورش الحساس تُعدّ كلفة سياسية لا يرغب أحد في تحملها.
إن إحالة التقرير على رئيس الحكومة ووزارة الاقتصاد والمالية لا يجب أن تبقى مجرد إجراء بروتوكولي، بل اختبارًا حقيقيًا للإرادة السياسية. فإما الانتقال من مرحلة التشخيص إلى الفعل، أو الإقرار ضمنيًا باستمرار اقتصاد مزدوج يُرهق المالية العمومية ويقوض أسس العدالة الجبائية.
وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن السؤال لم يعد: هل نملك استراتيجية لمحاربة “الكاش”؟ بل: من يعرقل تفعيلها، ولماذا، ومن المستفيد من استمرار اقتصاد خارج المراقبة؟
تعليقات الزوار