هبة زووم – المحمدية
رغم البلاغات الرسمية التي تؤكد، صباح مساء، أن مواقف السيارات بمدينة المحمدية مجانية وغير خاضعة لأي كراء، وأن الجماعة لا تستخلص درهماً واحداً من المواطنين مقابل ركن سياراتهم، إلا أن الواقع اليومي يكشف حقيقة مغايرة تماماً، واقعاً تحكمه سلطة موازية، لا تعتمد القانون ولا تعترف بالبلاغات، بل تفرض منطقها بالقوة الرمزية وأحياناً النفسية.
في شوارع المدينة، لا تسمع صفارة الشرطة الجماعية، بل صافرة “الحارس الذاتي”، ذاك الذي لا يحمل رخصة، ولا ينتسب إلى شركة، ولا تربطه بالجماعة سوى علاقة المكان.
يكفي أن تهمّ بإيقاف سيارتك، دقيقة كانت أو ساعة، حتى يظهر لك شخص يتأبط دفترًا وهميًا وثقة مفرطة، يطالبك بأداء “واجب الوقوف”، دون أن يشرح لك على أي أساس، ولا وفق أي سند قانوني.
المفارقة أن بعض هؤلاء تخلّوا حتى عن السترة الصفراء، لا خجلاً ولا تراجعاً، بل كنوع من التمويه أو تحديث في “الخدمة”. أحدهم، في مشهد يلخص العبث، صرّح لمواطن بكل ثقة: “أنا ماشي حارس… ولكن خاصك تخلص”.
وحين يُسأل عن المقابل، يجيب بمنطق معكوس: “على الوقوف الحر”، هنا، تتحول المجانية إلى ضريبة، والفراغ القانوني إلى مصدر دخل.
أمام الأسواق، تُراقَب تحركاتك بنظرات ملغومة، وكأن الوقوف صار امتيازاً مشروطاً بالدفع. عند الشواطئ، يزداد منسوب الابتزاز مع حرارة الصيف، وتسعيرات مزاجية قد تنافس ثمن وجبة كاملة. لا وصل، لا تسعيرة، لا جهة يُشتكى إليها، فقط أمر واقع مفروض بالقوة الناعمة.
الأخطر من ذلك، أن هذا الوضع بات يُطبع اجتماعياً. فعدد من المواطنين، رغم تذمرهم، يختارون الدفع تفادياً للمشاكل، ثم يفرغون غضبهم في جلسات خاصة. أما من يحتج أو يسأل عن الترخيص، فيُنظر إليه كعنصر مشاغب، أو شخص “لا يريد الخير للدراري”، في قلب مقلوب للمفاهيم، حيث يصبح احترام القانون أنانية، وخرقه تضامناً اجتماعياً.
بين بلاغات رسمية منمقة، وسلطة غير معلنة تجوب الأرصفة، تضيع المسؤولية. فلا يُعرف من يفرض النظام، ولا من يُفترض به أن يحمي حق المواطن. ويبقى هذا الأخير، مرة أخرى، الحلقة الأضعف: يدفع بصمت، بلا وصل، وبلا حماية، في مدينة تحوّل فيها الوقوف من خدمة عمومية إلى ممارسة من زمن الفتوة.
تعليقات الزوار