هبة زووم – علال الصحراوي
في مراكش، لا شيء يوحي بأن قواعد اللعبة تغيّرت، الوجوه قد تتبدل، لكن الأساليب نفسها تُعاد تدويرها بإتقان، فاطمة الزهراء المنصوري، التي راكمت تجربة طويلة في تدبير المدينة والاشتغال داخل دوائر النفوذ، لا تُخفي اليوم محاولتها استنساخ نفس الاستراتيجية التي اشتغلت بها سابقًا مع ولاة سابقين، من قسي لحلو إلى شوراق، وها هي تحاول فرضها من جديد مع الوالي لهبيل.
استراتيجية بسيطة في ظاهرها، لكنها محكمة في جوهرها: التمسكن أولًا، ثم التمكين لاحقًا. خطاب هادئ، حضور محسوب، صور مشتركة، لقطات بروتوكولية، وابتسامات أمام الكاميرات… قبل الانتقال، في الوقت المناسب، إلى تثبيت النفوذ، وتوجيه القرار، وتسويق الذات كفاعل مركزي لا غنى عنه.
ما يجري اليوم في مراكش ليس مجرد تنسيق مؤسساتي عادي بين المنتخب والسلطة الترابية، بل محاولة واضحة لتطويق الوالي الجديد منذ خطواته الأولى، وإدخاله في منطق “التعايش المريح” الذي يُفرغ دور السلطة من محتواه الرقابي، ويُحوّلها إلى شاهد صامت على سياسات قائمة.
اللافت أن المنصوري لا تشتغل بمنطق التدبير، بل بمنطق الصورة. الصورة هنا ليست توثيقًا، بل أداة سياسية، فكل خروج ميداني، كل لقاء، كل نشاط، يتحول إلى مادة تسويقية تُوظف بعناية لخدمة رصيد شخصي، لا مشروعًا جماعيًا. مراكش تصبح خلفية، والساكنة مجرد ديكور، فيما العدسة هي البوصلة.
هذا السلوك ليس جديدًا. فقد جُرِّب سابقًا، ونجح جزئيًا، لأن بعض الولاة اختاروا منطق “تجنب الصدام” على حساب حماية التوازن المؤسساتي.
والنتيجة كانت واضحة: مدينة تُدار بالواجهة، تُكثَّف فيها المهرجانات، تُلمَّع فيها الساحات، بينما تتراكم الأعطاب الاجتماعية، ويتعمق الإقصاء، ويُغيب الإنسان لصالح الصورة.
اليوم، يُطرح السؤال بحدة: هل سيسير الوالي لهبيل على خطى من سبقوه؟ أم أنه سيدرك مبكرًا أن مراكش لا تحتاج إلى مزيد من الصور، بل إلى سلطة ترابية تمارس دورها كاملًا، دون مجاملة أو ارتهان؟
فالجهل الذي ينخر المدينة ليس جهلًا بريئًا، بل جهل مُدار، يُغذَّى بالمال، ويُستثمر فيه سياسيًا، مال يُصرف في الواجهة، ويُحجب عن العمق. مال يُستخدم لتكريس التبعية، لا لبناء وعي نقدي قادر على المحاسبة. وحين يجتمع المال مع الجهل، تصبح المدينة رهينة لمعادلة خطيرة: استعراض دائم، وتنمية مؤجلة.
إن أخطر ما يمكن أن يقع هو أن يتحول الوالي الجديد إلى عنصر ضمن مشهد الإخراج، بدل أن يكون كاسرًا له، أن يُستدرج إلى منطق “اللقطة المشتركة” بدل فرض منطق “المسؤولية المشتركة”، فالتاريخ القريب للمدينة يُثبت أن هذا المسار لا ينتج إلا مزيدًا من التناقض، ومزيدًا من الإحباط.
مراكش اليوم ليست في حاجة إلى سياسيين يُتقنون الكاميرا، بل إلى مؤسسات تُتقن القرار، ليست في حاجة إلى “تسويق الإنجاز”، بل إلى إنجاز حقيقي يشعر به المواطن في حياته اليومية، وكل تأخير في كسر هذه الحلقة، هو مساهمة مباشرة في إعادة إنتاج نفس الفشل، بأسماء جديدة ووجوه مألوفة.
تعليقات الزوار