بين سوسيولوجيا التجربة وواقع التنظيم: ماذا يخفي دفاع الاتحاد الاشتراكي عن قيادته الجديدة؟

هبة زووم – محمد خطاري
خرج حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من صمته، بعد موجة الانتقادات التي طالت تركيبة مكتبه السياسي الجديد، المنبثق عن المؤتمر الوطني الثاني عشر المنعقد في أكتوبر الماضي، في محاولة واضحة لاحتواء الجدل المتصاعد حول ما اعتبره عدد من المتتبعين “إقصاءً مقصودًا” لأسماء وازنة طبعت تاريخ الحزب ومساره التنظيمي.
وفي رد غير مباشر، اختار الحزب عبر موقعه الرسمي اعتماد لغة سياسية ـ سوسيولوجية، شدد من خلالها على أن القيادة داخل التنظيمات الديمقراطية “ليست امتيازًا دائمًا ولا مكافأة عن مسار سابق”، بل “دور مؤقت مرتبط بلحظة سياسية وتجربة تنظيمية محددة”.
خطاب يسعى، في ظاهره، إلى تأطير ما جرى داخل منطق التداول الطبيعي، لكنه في العمق يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول حدود هذا التداول، وشروطه، ومن يتحكم في إيقاعه.
وأضاف الحزب، في منشوره المعنون بـ“رسالة الاتحاد”، أن مغادرة المواقع القيادية لا تعني الإقصاء، وأن عدم إعادة انتخاب بعض الأسماء لا يُعد ظلمًا، بل “انتقالًا للأدوار كما يحدث في كل مؤسسة حية”.
غير أن هذا التوصيف، رغم وجاهته النظرية، يصطدم بواقع سياسي يعرفه الاتحاد الاشتراكي جيدًا، حيث لم يكن الانتقال دائمًا سلسًا، ولا التداول خاليًا من الحسابات الداخلية وموازين القوى.
ولتعزيز موقفه، استند الحزب إلى ما سماه “منظورًا سوسيولوجيًا مستوحى من سوسيولوجيا التجربة”، معتبرًا أن الشرعية التنظيمية لا تُستمد من الماضي فقط، بل من القدرة على التفاعل مع رهانات الحاضر وقيادة تجربة حية داخل سياق متحول.
غير أن هذا الطرح بدوره يثير بدوره سؤال الكفاءة السياسية والبرنامجية: هل تم فعلاً تقييم التجربة السابقة على أساس الحصيلة والنجاعة، أم أن منطق “اللحظة السياسية” استُخدم كغطاء لإعادة ترتيب القيادة وفق توازنات جديدة؟
الأكثر إثارة في خطاب الحزب، هو تحميله جزءًا من المسؤولية لما سماه “مفارقة الخطاب السائد”، مشيرًا إلى أن عددًا ممن يُقدَّمون اليوم كضحايا للإقصاء، كانوا بدورهم، في مراحل سابقة، وجوهًا جديدة صعدت إلى القيادة بعد مغادرة غيرها.
وهي حجة صحيحة تاريخيًا، لكنها لا تُلغي السؤال المركزي: هل التداول اليوم يتم بنفس الشروط الديمقراطية، وبنفس منسوب النقاش والاختلاف، أم أننا أمام تداول انتقائي يُفرغ المفهوم من مضمونه؟
ويضيف المصدر ذاته أن هذه الدينامية “قاعدة تاريخية في كل التنظيمات السياسية الحية”، حيث يصعد جيل، يشتغل، ثم يفسح المجال لغيره. غير أن الواقع التنظيمي للاتحاد الاشتراكي، كما تعكسه مخرجات المؤتمر الأخير، يوحي بأن الإشكال لا يتعلق فقط بتعاقب الأجيال، بل بطبيعة المشروع السياسي، وحدود الانفتاح، وقدرة الحزب على استيعاب الاختلاف دون تحويله إلى صراع صامت.
في المحصلة، يبدو أن رد الاتحاد الاشتراكي، رغم لغته الهادئة ومرجعيته الفكرية، لم ينجح بالكامل في تبديد الشكوك، بقدر ما أعاد طرح أسئلة قديمة جديدة حول الديمقراطية الداخلية، ومعايير اختيار النخب، وحدود القطيعة والاستمرارية داخل حزب طالما قدّم نفسه كمدرسة سياسية في النضال والتعدد والاختلاف.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد