هبة زووم – محمد خطاري
عادت أسعار البصل لتشعل غضب المواطنين من جديد، في مشهد لم يعد مفاجئاً بقدر ما أصبح روتيناً سنوياً يعكس اختلالاً بنيوياً في منظومة التسويق والمراقبة، وصمتاً رسمياً يثير أكثر من علامة استفهام.
ففي ظرف زمني قياسي، قفز ثمن الكيلوغرام الواحد من 6.5 دراهم قبل أسبوع فقط، إلى 8 دراهم، ثم إلى 10 دراهم اليوم، دون أي مبرر منطقي أو اقتصادي يفسر هذا الارتفاع الصاروخي الذي طال واحدة من أكثر المواد استهلاكاً في المائدة المغربية.
هذا اللهيب السعري، الذي اجتاح مختلف الأسواق، لا يرتبط بأي معطيات موضوعية تتعلق بالإنتاج أو بالمناخ أو بندرة العرض، فالبصل التي تُسوق حالياً هي بصل مخزنة، وليست منتوجاً موسمياً خاضعاً لتقلبات الجني أو الإكراهات الفلاحية، ما يُسقط، وفق متتبعين، كل الذرائع الجاهزة التي يُلجأ إليها عادة لتبرير الغلاء، من قبيل نقص اليد العاملة أو الظروف المناخية.
في المقابل، تشير كل المؤشرات إلى أن ما يحدث لا يخرج عن دائرة الاحتكار والمضاربة الصريحة، حيث يواصل “الفراقشية” ووسطاء السوق التحكم في العرض، وفرض أسعار مرتفعة بشكل متعمد، مستفيدين من غياب رقابة صارمة وفعالة، ومن تراخٍ حكومي بات يُقرأ، في نظر المواطن البسيط، كنوع من التطبيع مع الجشع لا كمواجهة له.
وما يزيد من حدة الغضب، أن هذا السيناريو يتكرر كل سنة بنفس الوجوه، وبنفس الأساليب، وبنفس النتائج: ارتفاع صاروخي للأسعار، بيانات رسمية خجولة، لجان مراقبة موسمية بلا أثر يُذكر، ثم ترك القدرة الشرائية للمغاربة تواجه مصيرها وحدها. وهكذا تظل جيوب المواطنين الحلقة الأضعف في معادلة سوق يهيمن عليها منطق الربح السريع على حساب الاستقرار الاجتماعي.
ومع هذا المنحى التصاعدي المقلق، تتعاظم مخاوف المواطنين من أن يتجاوز ثمن الكيلوغرام الواحد من البصل عتبة 20 درهماً، كما حدث في سنوات سابقة، خصوصاً إذا استمر الصمت الرسمي، وغابت الإجراءات الزجرية الحقيقية في حق المتلاعبين بقوت المغاربة اليومي. فالبصل، إلى جانب باقي الخضر الأساسية، لم يعد مجرد مادة غذائية، بل تحول إلى مؤشر صارخ على عمق الخلل في منظومة التسويق، وضعف الدولة في فرض قواعد السوق العادلة.
فما يحدث اليوم ليس مجرد غلاء، بل إهانة يومية لجيوب المغاربة، واختبار حقيقي لمصداقية الخطاب الرسمي حول “الدولة الاجتماعية” و”حماية القدرة الشرائية”، فلا معنى لأي وعود إذا كان المواطن عاجزًا عن اقتناء أبسط مكونات مائدته دون أن يشعر بأنه ضحية سوق بلا ضابط ولا رقيب.
وأمام هذا العبث المفتوح، لم يعد مقبولًا الاكتفاء بالاستنكار، بل بات المطلوب تدخلاً حازمًا وفوريًا: كسر الاحتكار، تتبع مسارات التخزين، تفعيل العقوبات الزجرية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، لأن استمرار الصمت ليس حيادًا، بل تواطؤ غير معلن مع من يعبثون بقوت المغاربة اليومي.
تعليقات الزوار