هبة زووم – أحمد الفيلالي
في برشيد، لم تعد الكوارث الطبيعية امتحانًا للجاهزية بقدر ما أضحت فرصة للاستعراض، حيث اختار عامل الإقليم جمال خلوق أن يتعامل مع الفيضانات لا كحالة طوارئ تفرض المحاسبة والصرامة، بل كمشهد قابل للإخراج، تُلتقط فيه الصور وتُلمَّع فيه الواجهات، وتُجمَّل بعض العائلات النافذة، وعلى رأسها العائلة الذي تسير المجلس الجامعي ، بينما تظل المدينة غارقة في اختلالاتها البنيوية.
ما وقع بعد السيول لم يكن تدبير أزمة، بل إعادة توزيع للأدوار داخل مسرحية معروفة: زيارات محسوبة، حضور انتقائي، ورسائل غير مباشرة توحي بأن المشكل عابر، وأن ما حدث مجرد “سوء طقس”، لا نتيجة سنوات من التراخي، وتوقيع رخص بلا دراسات، وتجاهل تحذيرات واضحة بشأن هشاشة البنية التحتية.
فإذا كان الجفاف قد منح المسؤولين متسعًا لإخفاء العيوب تحت غبار الندرة، فإن أول سيول جدّية أسقطت الأقنعة دفعة واحدة، حيث تحولت طرق إلى مجارٍ، أحياء غرقت في العتمة والماء، ومواطنون اكتشفوا، متأخرين، أن مدينتهم كانت تُدار بالصور لا بالدراسات، وبالاستعراض لا بالوقاية.
الاستعراض، في حد ذاته، لا ينقذ مدينة، والصور لا تُصلح قنوات صرف، واللقطات الرسمية لا تجفف أحياء غرقت في الماء، ولا تعوض ساكنة تُركت وحدها في مواجهة الخطر، فما تحتاجه برشيد ليس تجميلًا سياسيًا ولا حماية رمزية لعائلات بعينها، بل قرارًا واضحًا يضع المسؤولية حيث يجب أن تكون.
هنا، لم يكن المطر هو الجاني الوحيد، بل كان مجرد أداة تنفيذ. المتهم الحقيقي هو سلسلة طويلة من القرارات المرتخية: رخص بناء وُقعت بروح المجاملة، مجاري مياه أُهملت باسم “الأولوية المؤجلة”، وصمت سلطة رضيت بدور المتفرج ما دام الهدوء سائداً، ومجالس منتخبة اشتغلت بمنطق الدورة الانتخابية، لا بمنطق الخطر، وكأن السيول تحتاج إلى إذن سياسي لتأتي.
الفيضانات لم تسأل عن العلاقات، ولا عن العائلات النافذة، ولا عن من يُجمل من. الماء دخل البيوت بلا بروتوكول، وفضح هشاشة التهيئة، وعرّى واقعًا حضريًا هشًا بُني فوق حسابات ضيقة، فحين تغيب دراسات المخاطر، يصبح كل توقيع على رخصة مقامرة، وكل صمت سلطة شراكة ضمنية في الكارثة.
الأسئلة التي أعادت السيول طرحها ليست جديدة، لكنها كانت مؤجلة: أين كانت خرائط الخطر؟ من راقب الأشغال؟ من حاسب المقاولين؟ ومن قرر أن الوقاية ترف يمكن تأجيله؟
الواضح أن بعض رجال السلطة وبعض المنتخبين سقطوا في امتحان اليقظة، لأن الدولة القوية لا تُقاس فقط بتنظيم التظاهرات أو تسويق “الإنجازات”، بل بقدرتها على حماية مواطنيها من كوارث معروفة ومتكررة.
برشيد لا تعاني اليوم فقط من الحفر والفيضانات، بل من منطق تدبير يرى في “التهدئة” بديلاً عن المحاسبة، وفي العلاقات العائلية درعًا ضد الأسئلة المحرجة، لذلك، فإن أي إصلاح حقيقي يمر أولًا عبر القطع مع سياسة التلميع، والانتقال من منطق الصورة إلى منطق القرار.
فالمدينة لا تحتاج إلى من يُجمل أسماء بعينها، بل إلى من يجرؤ على قول الحقيقة: الاستعراض لا يبني مدينة، وتجميل العائلات لا يحمي الساكنة، وبرشيد لن تُنقذها الصور، بل المحاسبة.
تعليقات الزوار