هبة زووم – الرباط
في الوقت الذي يُروَّج فيه بقوة لصورة جهة الدار البيضاء كقاطرة للتنمية ومختبر حضري متقدم، يغيب عن هذا الخطاب سؤال جوهري لا يقل أهمية عن المشاريع العقارية الكبرى: كيف يتنقل الناس؟
فبعيدًا عن لغة الأرقام والعروض الاستثمارية، تكشف الوقائع اليومية عن اختلال بنيوي في منطق التخطيط، حيث يتم تسريع وتيرة التوسع العمراني، خاصة عبر مشاريع إعادة الإسكان وإطلاق مجمعات سكنية جديدة في مناطق مثل ليساسفة وألماز وبوسكورة، دون أن يواكب ذلك تصور متكامل لمنظومة النقل.
النتيجة ليست مجرد ضغط على البنيات التحتية، بل واقع يومي مرهق لآلاف المواطنين الذين يجدون أنفسهم عالقين بين سكن بعيد عن مركز المدينة، ومناطق عمل تتركز في أقطاب صناعية متنامية، خصوصًا ببوسكورة. واقع يُنتج عزلة مجالية صامتة، ويحوّل التنقل إلى معاناة يومية تستنزف الوقت والجهد والقدرة الشرائية.
صحيح أن مشروع القطار الجهوي السريع (RER) يُقدَّم كحل استراتيجي واعد، لكنه، في غياب شبكة ربط فعالة، يظل مشروعًا معزولًا، عاجزًا عن تحقيق الأثر المنتظر.
فالمعضلة الحقيقية لا تكمن فقط في وجود خطوط نقل كبرى، بل في القدرة على الوصول إليها، كيف يمكن لمواطن يقطن في عمق الأحياء الجديدة أن يستفيد من محطة قطار، وهو يفتقر إلى وسيلة نقل تربطه بها بشكل منتظم وآمن؟
هنا تتجلى مفارقة صارخة: استثمارات ضخمة في مشاريع نقل حديثة، يقابلها فراغ قاتل في ما يُعرف بـ”النقل التكميلي”، من قبيل خطوط الحافلات المهيكلة أو مسارات الربط السريع (Busway)، أو حتى توسيع شبكة ترامواي الدار البيضاء نحو مناطق التوسع العمراني.
ما يحدث اليوم ليس مجرد تأخر في التنفيذ، بل خلل في الرؤية. إذ يبدو أن التخطيط الحضري يسير بمنطق التجزيء: نبني أولًا… ثم نفكر لاحقًا في كيفية ربط ما بنيناه. وهو منطق مكلف، ليس فقط ماليًا، بل اجتماعيًا أيضًا، لأنه يكرّس الفوارق المجالية ويُعمّق الإقصاء.
الأخطر من ذلك، أن هذا النموذج يُفرغ مفهوم “التنمية” من مضمونه الحقيقي. فالتنمية لا تُقاس بعدد المشاريع العقارية ولا بحجم الاستثمارات، بل بمدى قدرة المواطن على الولوج إلى العمل، والدراسة، والخدمات الأساسية بسهولة وكرامة.
اليوم، لم يعد النقاش حول النقل ترفًا تقنيًا، بل ضرورة ملحة. فإما أن يتم اعتماد مقاربة مندمجة تجعل من التنقل ركيزة أساسية في التخطيط، أو أن تتحول هذه المشاريع العمرانية إلى عبء حضري جديد، يُنتج مزيدًا من الاختناق والتفاوت.
الدار البيضاء لا تحتاج فقط إلى البناء… بل إلى ربط ما تم بناؤه. لأن مدينة بلا نقل عادل وفعال، ليست مدينة متقدمة، بل مجرد فضاء موسّع للأزمة.
تعليقات الزوار