نادية فتاح تدافع عن المؤشر الاجتماعي والمواطنون يشككون في عدالته
هبة زووم – الرباط
أثارت تصريحات وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح العلوي، خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس المستشارين، موجة جديدة من الجدل حول برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، الذي روجت له الحكومة كأحد أعمدة “الدولة الاجتماعية”، قبل أن يتحول في نظر فئات واسعة إلى مصدر إحباط وشعور بالإقصاء.
الوزيرة عبّرت عن “قلقها” من الحديث عن حرمان أسر من الاستفادة من هذا الدعم، مؤكدة أن منظومة حساب المؤشر الاجتماعي تشكل “مكسبًا حقيقيًا” مقارنة مع طرق تدبير الدعم قبل مجيء الحكومة الحالية.
غير أن هذا الخطاب المطمئن يصطدم، على الأرض، بواقع اجتماعي أكثر تعقيدًا، حيث تتزايد شكاوى مواطنين يؤكدون أنهم يعيشون أوضاعًا هشة، ومع ذلك تم إقصاؤهم بدعوى عدم استيفاء الشروط.
تؤكد الحكومة أن المنظومة الحالية تقوم على “معايير علمية دقيقة” وتوفر مستوى عالٍ من الشفافية، وأن الأسر التي لا تستفيد إما لم تبلغ العتبة المطلوبة أو أن وضعيتها الاجتماعية “عرفت تحسنًا”.
لكن هذا التفسير الرسمي يطرح سؤالًا جوهريًا: هل تعكس المعايير الرقمية حقيقة الوضع الاجتماعي للأسر، أم أنها تختزل الفقر والهشاشة في أرقام جامدة لا ترى الواقع كما هو؟
الحديث عن أن الملفات المرفوضة لا تتجاوز 1,5 في المائة من مجموع الطلبات قد يبدو مطمئنًا من زاوية إحصائية، لكنه يفقد كثيرًا من وزنه عندما نضعه في سياقه الاجتماعي.
فكل “نسبة” هنا تمثل أسرًا حقيقية، بأطفال ومرضى وعاطلين، يجدون أنفسهم خارج شبكة الحماية الاجتماعية في ظرفية اقتصادية تتسم بارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية.
الأكثر إثارة للانتباه أن الحكومة، بدل أن تتعامل مع هذه الشكاوى كجرس إنذار يستوجب مراجعة المنظومة، تميل إلى الدفاع عنها باعتبارها “منصفة” و”شفافة”، وكأن الخلل مستحيل أو غير وارد.
هذا المنطق يعكس مقاربة تقنية بحتة لملف اجتماعي بامتياز، حيث يُختزل الحق في الدعم في خوارزمية، بينما يُغيب البعد الإنساني والاجتماعي الذي لا يمكن قياسه دومًا بالأرقام.
صحيح أن المغرب كان في حاجة إلى تجاوز منطق الدعم العشوائي، وصحيح أن توحيد قواعد الاستهداف يمثل تقدمًا مقارنة مع مراحل سابقة، لكن هذا لا يعني أن المؤشر الاجتماعي أصبح نصًا مقدسًا غير قابل للنقاش أو المراجعة.
فالتجارب الدولية نفسها تُظهر أن أنظمة الاستهداف، مهما بلغت دقتها، تحتاج إلى آليات تصحيح مرنة، وإلى لجان طعن فعالة، وإلى تفاعل حقيقي مع الواقع المتغير للأسر.
تصريحات الوزيرة حول “انفتاح الحكومة على الملاحظات” تبقى، إلى حدود الساعة، أقرب إلى إعلان نوايا منها إلى التزام سياسي واضح. فالمواطن الذي حُرم من الدعم لا ينتظر خطابًا مطمئنًا تحت قبة البرلمان، بل ينتظر مساطر واضحة لإعادة النظر في ملفه، وتفسيرًا مفهومًا لسبب الإقصاء، وإمكانية فعلية لتصحيح المعطيات المغلوطة.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في الدفاع عن المؤشر الاجتماعي كأداة تقنية، بل في استعادة الثقة بين الدولة والمواطنين، فالدعم الاجتماعي المباشر لم يُقدَّم كمنّة، بل كسياسة عمومية تستهدف الفئات الأكثر هشاشة، وأي شعور بالإقصاء أو الظلم قد يحول هذا الورش الاجتماعي الكبير إلى عبء سياسي واجتماعي.
وبين خطاب حكومي يؤكد نجاح المنظومة، وواقع اجتماعي ينبض بالشكوى والاحتجاج الصامت، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تملك الحكومة الشجاعة السياسية للاعتراف باختلالات محتملة في المؤشر الاجتماعي، أم ستستمر في الاحتماء بالأرقام، ولو على حساب ثقة الفئات التي وُعدت بالحماية؟