هبة زووم – أبو العلا العطاوي
في الرشيدية، لا يبدو أن الزمن الإداري يسير إلى الأمام، بل يدور في حلقة مفرغة عنوانها العريض: إعادة إنتاج نفس الوجوه، ونفس العائلات، ونفس الاختيارات، مهما تعاقب العمال والولاة، وتغيّرت الأسماء والمناصب، واقعٌ يطرح سؤالًا مقلقًا: من يحكم فعليًا القرار المحلي؟ ومن يرسم الخارطة السياسية للإقليم؟
الجواب، بحسب ما تكشفه الوقائع المتراكمة، لا يوجد في الواجهة الرسمية، بل في الكواليس، داخل قسم الشؤون الداخلية بالولاية، حيث يتمركز ما يُعرف محليًا بـ”مسامير الميدة”، أولئك الذين تحولوا من موظفين إداريين إلى محددين فعليين للمسار السياسي والانتخابي بالإقليم.
هذه “السياسة” لم تولد اليوم، ولم تكن وليدة الصدفة، بل تعود جذورها إلى ما يقارب أربعين سنة، حين وضع لبناتها الأولى رجل الشؤون الداخلية بامتياز، الراحل “الدحمان”.
سياسة قامت على ضبط المجال السياسي عبر التقارير، والتحكم في الترشيحات، وصناعة النخب وفق منطق الولاء لا الكفاءة، ورغم رحيل الرجل، فإن إرثه ما يزال حيًا، يُغذّى ويُحافظ عليه بفضل شبكة من مسامير الميدة داخل العمالة، ممن جعلوا من تلك المرحلة نموذجًا دائمًا لا يقبل المراجعة.
والنتيجة واحدة: خمس عائلات بعينها تهيمن على المشهد السياسي بالإقليم، لا لتميزها أو لنجاعة تدبيرها، بل لأنها “عرفت من أين تؤكل الكتف”، وأتقنت فن ربط الاتصال بالدوائر المؤثرة داخل قسم الشؤون الداخلية.
تقارير تُفصّل على المقاس، يصبح فيها الصالح طالحًا، والطالح صالحًا، وتُرفع إلى مسؤولين جدد يثقون فيها بحسن نية، لتُعاد نفس الأخطاء بنفس الأدوات.
وهكذا، تتحول الانتخابات في إقليم الرشيدية إلى طقس شكلي، وتُفرغ السياسة من معناها، لتصبح ملعبًا لمن لا علاقة لهم لا بالمبادئ ولا بالمصلحة العامة.
مزيج هجين من الفشل الإداري والسياسي، تُغتال فيه السياسة على يد الجهل، ويُجهز عليها طمع بعض الموظفين الذين اختاروا خدمة مصالح العائلات الخمس بدل خدمة الدولة.
إن أخطر ما في هذا الوضع، ليس فقط استمرار نفس الأسماء، بل تكريس الإحباط الجماعي، وقطع الصلة بين المواطن والسياسة، وخلق جيل لا يثق في المؤسسات، لأنه يرى بعينه كيف تُدار الأمور من خلف الستار، وكيف تُصنع “النخب” بقرار إداري لا بإرادة شعبية.
اليوم، لم يعد قسم الشؤون الداخلية في حاجة إلى مسؤول عابر، يمكث أربع سنوات ثم يغادر دون أثر، بل في حاجة إلى رجل دولة حقيقي، يملك الجرأة على القطع مع سياسة “الدحمان”، لا على مستوى الخطاب، بل على مستوى الممارسة، مسؤول يطابق التقارير المكدسة في الرفوف مع الحقيقة على الأرض، دون مجاملة أو خوف أو حسابات ضيقة.
لقد آن الأوان لتطهير قسم الشؤون الداخلية بالرشيدية من مسامير الميدة، لأن إقليم بقيمة الرشيدية، وبتاريخها وطاقاتها وكفاءاتها، لا تستحق أن تُختزل في خمس عائلات، ولا أن تُدار بعقلية أربعين سنة مضت.
فإما القطيعة مع هذا الإرث الثقيل، أو الاستمرار في إعادة نفس الأسطوانة، كل خمس سنوات، إلى أن تفقد السياسة ما تبقى لها من هيبة، وتفقد الساكنة ما تبقى لها من أمل.
اليوم، نقولها بكل صراحة على أن كرامة مدينة بحجم الرشيدية لا تُصان بالتواطؤ والصمت، بل برجال دولة حقيقيين، يضعون المصلحة العامة فوق كل اعتبار، ويُعيدون للإدارة هيبتها، وللسياسة معناها.
تعليقات الزوار