العدالة والتنمية يتهم الحكومة بتمرير إصلاح المحاماة بمنطق الغلبة وسط احتقان مهني وتآكل الثقة

هبة زووم – الرباط
عاد ملف إصلاح منظومة العدالة إلى واجهة التوتر السياسي والمؤسساتي، بعد مصادقة الحكومة على مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، في خطوة أثارت انتقادات واسعة، كان أبرزها موقف حزب العدالة والتنمية الذي اعتبر ما جرى تمريرًا قسريًا لقانون حساس دون احترام الحوار والتشاور مع الجسم المهني المعني.
بلاغ الأمانة العامة للحزب، الصادر يوم الاثنين 12 يناير 2026، لم يكتف بالتعبير عن الرفض، بل وضع الحكومة في مواجهة اتهام مباشر بتكريس نهج الغلبة العددية داخل البرلمان، بدل اعتماد المقاربة التشاركية التي يفترض أن تؤطر إصلاحات تمس جوهر العدالة وحقوق الدفاع.
وفق ما جاء في البلاغ، فإن الحكومة تجاهلت خلاصات الحوار السابق بين وزارة العدل وممثلي المحامين، كما لم تُعر أي اهتمام للمواقف الصادرة عن هيئات المحامين وجمعيتهم الوطنية بعد تقديم مشروع القانون، في سلوك يعكس، بحسب الحزب، استخفافًا خطيرًا بدور الفاعلين المهنيين وبحالة الاحتقان القائمة داخل قطاع حيوي.
ولا يقف الأمر عند حدود الخلاف التشريعي، بل يتجاوزه إلى تداعيات عملية تمس صلب مرفق العدالة، إذ حذر الحزب من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى تعطيل السير العادي للمحاكم وضياع حقوق المتقاضين، في لحظة يفترض فيها أن يكون إصلاح العدالة رافعة لتعزيز الثقة، لا سببًا إضافيًا في تآكلها
البلاغ وجّه سهامه بشكل مباشر إلى وزير العدل، متهمًا إياه بالإصرار على تمرير المشروع “مسنودًا بحكومة أصبحت متخصصة في التوتير والتأزيم في مختلف القطاعات”.
توصيف قاسٍ، لكنه يعكس، في نظر الحزب، نمطًا متكررًا في تدبير الملفات الاجتماعية والمهنية: تشريع فوقي، حوار شكلي، واحتقان دائم.
ويرى حزب “المصباح” أن مشروع قانون المحاماة يتضمن تراجعات تمس مكتسبات مهنية مشروعة، خاصة تلك المرتبطة بحقوق الدفاع، ما يشكل مساسًا غير مباشر بحقوق المواطنين الدستورية في المحاكمة العادلة والولوج المنصف إلى العدالة.
وفي جوهر موقفه، شدد حزب العدالة والتنمية على أن أي إصلاح لمهنة المحاماة يجب أن ينطلق من الاحترام التام لاستقلالية المهنة وحصانة المحامي أثناء مزاولته لمهامه، باعتبار هيئة الدفاع جزءًا لا يتجزأ من أسرة القضاء، وشريكًا أساسيًا في تحقيق العدالة وصون حقوق الإنسان.
فالمسألة، وفق هذا المنظور، لا تتعلق فقط بتنظيم مهنة، بل بالتوازن الدقيق داخل منظومة العدالة، حيث لا يمكن الحديث عن محاكمة عادلة دون دفاع مستقل وقوي، قادر على أداء دوره دون تضييق أو تقليص للصلاحيات.
وفي سياق متصل، تطرق البلاغ إلى مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، داعيًا الحكومة إلى الإنصات الجدي لملاحظات المهنيين، وتمتيعهم بكامل الحقوق اللازمة لمزاولة مهامهم على أساس الإنصاف والتكافؤ وعدم التمييز في مجال التوثيق.
ويعتبر الحزب أن مهنة العدول، بما تحمله من رمزية تاريخية ووظيفة قانونية أساسية، يجب أن تُعامل كشريك فعلي في مرفق العدالة، لا كفاعل ثانوي يُفرض عليه الإصلاح من أعلى دون إشراك حقيقي.
ما تكشفه هذه المواجهة الجديدة بين الحكومة وهيئات مهنية وأحزاب سياسية، هو أن أزمة الثقة في الإصلاحات التشريعية ما تزال قائمة، وأن منطق الأغلبية العددية، حين يُستعمل في ملفات حساسة كمنظومة العدالة، قد يتحول من أداة ديمقراطية إلى وسيلة لإنتاج الاحتقان وتعميق الشرخ بين الدولة ومهنيي القانون.
فإصلاح العدالة لا يُقاس بسرعة تمرير القوانين، بل بمدى قدرتها على توحيد الفاعلين حولها، وضمان استقلالية المهن، وحماية حقوق المتقاضين، وما دون ذلك، ليس إصلاحًا، بل مخاطرة مؤسساتية مفتوحة العواقب.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد