الرشيدية: مجلس إقليمي بلا أنياب ودورة تتحول إلى طقس شكلي لتزكية قرارات جاهزة

هبة زووم – أبو العلا العطاوي
لم يعد من المبالغة القول إن جدول أعمال الدورة العادية للمجلس الإقليمي للرشيدية، المنعقدة بتاريخ 12 يناير 2026، يُجسد في صيغته ومضمونه أزمة عميقة في فهم الدور التمثيلي للمؤسسة المنتخبة، ويكرّس انزلاقها من فضاء للتداول الديمقراطي وصناعة القرار، إلى مجرد غرفة تسجيل تُمرَّر فيها الاتفاقيات والقرارات في صمت مريب، وبسرعة تثير أكثر من علامة استفهام.
فمنذ الوهلة الأولى، يتضح أن جدول الأعمال لا يعكس أي رؤية تنموية متكاملة، ولا يحمل ملامح برنامج سياسي أو اجتماعي يستجيب لانتظارات ساكنة إقليم يعاني من الهشاشة، العزلة، البطالة، وضعف البنيات الأساسية. بل على العكس، يبدو الجدول وكأنه نسخة تقنية جافة، أُعدّت خارج المجلس، ليُطلب من الأعضاء فقط رفع الأيدي والمصادقة.
هيمنة الاتفاقيات وغياب النقاش
أكثر من نصف النقاط المدرجة تتعلق بالدراسة والتصويت على اتفاقيات شراكة، مع شركة العمران، وكالة الحوض المائي، الجماعات الترابية، أو مؤسسات عمومية أخرى.
ورغم أهمية بعض هذه المشاريع من حيث الشكل، فإن السؤال الجوهري الذي يتجاهله المجلس هو: ما حصيلة الاتفاقيات السابقة؟
لا أثر لأي تقرير تقييم، ولا عرض لنتائج ملموسة، ولا توضيح لحجم الاعتمادات المرصودة سابقًا، ولا مدى احترام آجال الإنجاز، وهو ما يُفرغ مفهوم “الشراكة” من محتواه، ويحوّله إلى إجراء شكلي، لا يخضع لأي منطق للمحاسبة أو التتبع.
بناء مقر المجلس.. أولوية أم هروب إلى الأمام؟
من اللافت أن يُدرج ضمن جدول الأعمال مشروع اتفاقية لبناء مقر جديد للمجلس الإقليمي، في وقت يعاني فيه الإقليم من خصاص مهول في الخدمات الاجتماعية، والبنيات التحتية القروية، وفك العزلة عن عدد من الجماعات.
فهل أصبح هاجس المؤسسة هو تحسين ظروفها الإدارية بدل تحسين شروط عيش المواطنين؟ وهل يعكس هذا الاختيار ترتيبًا سليمًا للأولويات، أم أنه مجرد هروب إلى مشاريع “مرئية” تُسوّق سياسيًا، دون أثر مباشر على الساكنة؟
النقل الحضري.. دعم بلا مساءلة
يُعيد المجلس الإقليمي طرح نقطة دعم مرفق النقل الحضري، دون أي تقييم موضوعي لتجربة التدبير السابقة، فلا تقرير حول جودة الخدمة، ولا عرض لشكاوى المواطنين، ولا مساءلة حول احترام دفاتر التحملات.
الدعم العمومي، في هذه الحالة، يُمنح في غياب شروط واضحة، وكأن المال العام يُصرف بدافع العادة لا بدافع النجاعة، وهو ما يطرح إشكالية خطيرة تتعلق بتحويل الدعم إلى امتياز دائم بدل كونه أداة لتحسين الخدمة العمومية.
إلغاء مقرر لفائدة الشباب.. قرار خطير بصمت مريب
من أخطر ما ورد في جدول الأعمال، إدراج نقطة تتعلق بإلغاء مقرر اقتناء وعاء عقاري لفائدة الشباب العاطل حاملي الشهادات، دون تقديم أي مبرر واضح، أو بدائل عملية.
قرار بهذا الحجم الاجتماعي، وفي إقليم يعاني من بطالة مرتفعة وهجرة صامتة للشباب، لا يمكن تمريره كإجراء إداري عادي، حيث أن إلغاء هذا المقرر، دون نقاش عمومي، يُكرّس الإحساس بأن قضايا الشباب ليست أولوية، وأن المجلس يتعامل معها كعبء لا كرهان تنموي.
تفويت الممتلكات.. بلا معايير ولا توضيح
تفويت شاحنات وسيارات على سبيل الهبة لفائدة جماعة الرشيدية يمر بدوره في هدوء، دون توضيح معايير الاختيار، أو حاجة المجلس نفسه لهذه المعدات، أو جدوى التفويت في سياق يعاني فيه الإقليم من ضعف الوسائل اللوجستيكية.
إن مثل هذه القرارات، حين تُتخذ دون شفافية، تفتح الباب أمام الشك، وتُضعف الثقة في تدبير الممتلكات العمومية.
مجلس بلا وظيفة رقابية
الأخطر من مضمون النقاط، هو غياب أي نفس رقابي داخل جدول الأعمال، لا أسئلة، لا مساءلة، لا تقييم، لا افتحاص، ولا حتى نقطة واحدة مخصصة لمناقشة اختلالات التدبير أو تعثر المشاريع.
وهو ما يؤكد أن المجلس الإقليمي، في صيغته الحالية، يتخلى طوعًا عن أحد أدواره الدستورية الأساسية، ويقبل بأن يكون تابعًا لا فاعلًا، ومُزكّيًا لا مُقرِّرًا.
وفي الأخير، يمكن القول على أن دورة يناير 2026، كما يعكسها جدول أعمالها، ليست مجرد محطة عادية، بل مؤشر مقلق على تراجع السياسة المحلية إلى مستوى التدبير الإداري البارد، وغياب الإرادة في تحويل المجلس إلى رافعة حقيقية للتنمية.
وفي ظل هذا الوضع، يبقى السؤال مفتوحًا: من يحاسب؟ ومن يراقب؟ ومن يدافع فعليًا عن مصالح ساكنة إقليم الرشيدية؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد