هبة زووم – الرباط
لم تكن تدوينة الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي مجرد رأي عابر في نقاش عمومي، بل جاءت كتشخيص صارخ لواحد من أخطر الانزلاقات التي عرفتها السياسات الاجتماعية بالمغرب في السنوات الأخيرة: تحويل الحق الدستوري في التغطية الصحية إلى “امتياز هش”، تحكمه خوارزميات غامضة ومؤشرات عبثية، لا منطق الحقوق.
في كل دول العالم، يشكّل الحق في التطبيب والتغطية الصحية حقًا قارا، ثابتا، لا يسقط بتغير الظرف الاجتماعي أو بتحسن مؤقت في الدخل. لكنه في المغرب، كما يوضح اليحياوي، أصبح حقًا “يتأرجح”، يمنح اليوم ويُسحب غدًا، لا بناء على تغيير جوهري في وضعية المواطن، بل بسبب تعبئة هاتف، أو أداء فاتورة كهرباء، أو تحويل مالي بسيط من قريب.
هنا، لا نتحدث عن إصلاح اجتماعي، بل عن إعادة تعريف خطيرة لمفهوم الحق، فحين يصبح المؤشر هو الحَكم، وحين تتحول الخوارزمية إلى سلطة فوق القانون، فإننا نكون أمام نسف صريح لمبدأ الأمن الاجتماعي.
المواطن لا يعرف متى يكون مشمولًا بالحماية الصحية، ولا متى يُقذف خارجها، وكأن الحق صار رهينة حسابات رقمية بلا روح ولا عدالة.
مؤشر “أمو- تضامن”، كما يصفه اليحياوي، لا يراقب الفقر بقدر ما يعاقب محاولة الخروج منه، أي تحسن طفيف في وضعية الأسرة، حتى لو كان ظرفيًا أو هشًا، يُقابل بسحب التغطية الصحية، وكأن المطلوب من المواطن أن يظل فقيرًا كي يستحق العلاج، إنها معادلة معكوسة، تُجرِّم السعي للعيش الكريم بدل تشجيعه.
الأخطر في هذا النموذج أنه لا يضرب فقط الحق في الصحة، بل يزرع الخوف في تفاصيل الحياة اليومية، مواطن يتردد قبل اقتناء مدفأة، أو تعبئة عداد الكهرباء، أو تلقي مساعدة من ابنه، خوفًا من أن يُسقط عنه “الحق” في العلاج، فأي سياسة اجتماعية هذه التي تُنتج القلق بدل الطمأنينة، وتُقايض الصحة بالبقاء تحت عتبة الهشاشة، يقول اليحياوي؟
اليحياوي يذهب أبعد من النقد التقني، ليكشف البعد الأخلاقي للمسألة، فالمشكل، في نظره، ليس في عيوب غير مقصودة، بل في منطق مُصمَّم سلفًا لإنتاج العبث، فمن وضع هذا المؤشر، تصله التقارير، ويعرف نتائجه، لكنه يبتسم، لأنه لم يُنشئ نظامًا للحماية، بل آلية للتطبيع مع اللامعقول.
إن ربط الحق في التغطية الصحية بمؤشر متقلب، هو تفريغ للدستور من مضمونه الاجتماعي، وضرب لمبدأ العدالة، وتكريس لإدارة باردة تتعامل مع الإنسان كرقم، لا ككائن له كرامة وحاجات أساسية.
وإذا كان ربط المسؤولية بالمحاسبة قد غاب في هذا الملف، كما يلمّح اليحياوي بمرارة، فإن السؤال الذي يبقى معلقًا هو: كيف لدولة تطمح إلى “الحماية الاجتماعية الشاملة” أن تبنيها على مؤشرات تُسقط الحق بدل أن تحميه؟
تعليقات الزوار