الحسيمة: رياح عاتية تُسقط جزءاً من سور المعهد الإسباني وتعيد النقاش حول صيانة البنايات العتيقة

عبد السلام نورينو – الحسيمة
استفاقت ساكنة مدينة الحسيمة، صباح اليوم، على وقع حادث خلّفته الظروف المناخية القاسية التي تعرفها المنطقة، بعدما أدى هبوب رياح عاتية، تجاوزت سرعتها المعدلات المعتادة، إلى انهيار جزء من السور الخارجي للمعهد الإسباني “ميلشور دي خوفيانوس” (Melchor de Jovellanos)، في واقعة أعادت إلى الواجهة إشكالية صيانة البنايات التاريخية بالمدينة.
وأفاد شهود عيان من محيط المؤسسة التعليمية العريقة أن الرياح القوية، التي استمرت منذ ساعات متأخرة من ليلة أمس، تسببت في تخلخل بنية السور، الذي لم يصمد أمام قوة العصف وعوامل التعرية، خاصة في ظل التقلبات المناخية الحادة التي تعرفها المنطقة الساحلية.
ولحسن الحظ، لم يسفر الحادث عن أية إصابات بشرية، إذ وقع الانهيار في وقت كانت فيه حركة السير بمحاذاة المعهد محدودة، غير أن الركام المتساقط تسبب في عرقلة جزئية للرصيف المجاور، ما استدعى تدخل السلطات المحلية التي سارعت إلى تأمين المكان واتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة.
ولا يُعد المعهد الإسباني “ميلشور دي خوفيانوس” مجرد مؤسسة تعليمية، بل يُصنف كأحد المعالم التاريخية التي تشهد على مراحل مهمة من تطور مدينة الحسيمة عمرانياً وثقافياً. فقد تأسس المعهد خلال ثلاثينيات القرن الماضي، إبّان فترة الحماية الإسبانية بشمال المغرب، وحمل اسم المفكر والسياسي الإسباني البارز في عصر التنوير، ميلشور دي خوفيانوس.
وتتميز بناية المعهد بطراز معماري كولونيالي فريد، يمزج بين اللمسات الأندلسية والهندسة المتينة، وظل على مدى عقود جسراً ثقافياً وتعليمياً، تخرجت من رحابه أجيال من أبناء المنطقة، إلى جانب طلبة من البعثات الإسبانية، ما جعله جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية والوجدان الثقافي لساكنة الحسيمة.
وأثار هذا الحادث موجة من التساؤلات في أوساط الساكنة وفعاليات المجتمع المدني حول وضعية المباني التاريخية والتعليمية، لاسيما التابعة للبعثات الأجنبية، ومدى خضوعها لمراقبة تقنية وصيانة دورية، خصوصاً في ظل تعرضها المستمر لعوامل مناخية قاسية، كالرطوبة البحرية والرياح القوية التي تؤثر تدريجياً على متانة مواد البناء.
ويأتي هذا الانهيار في سياق النشرة الإنذارية من مستوى يقظة أحمر التي أصدرتها المديرية العامة للأرصاد الجوية، محذرة من رياح عاتية وتساقطات مطرية قوية بعدد من أقاليم شمال المملكة، من بينها إقليم الحسيمة.
وفي هذا الإطار، دعت فعاليات محلية إلى إحداث لجنة مختلطة تضم السلطات المحلية والجهات الوصية وخبراء في الهندسة والترميم، قصد القيام بجرد شامل للبنايات الآيلة للسقوط أو التي تحتاج إلى تدخل استعجالي، تفادياً لوقوع حوادث قد تكون عواقبها أكثر خطورة مستقبلاً.
ويُعد انهيار جزء من سور المعهد الإسباني بمثابة جرس إنذار حقيقي يستوجب من الجهات المعنية، سواء التابعة للبعثة الإسبانية أو السلطات المحلية، التعامل بجدية مع ملف صيانة هذا المعلم التاريخي وغيره من المباني ذات القيمة المعمارية، حفاظاً على سلامة المواطنين، وضماناً لاستمرار هذه الشواهد العمرانية كذاكرة حية تحكي تاريخ المدينة للأجيال القادمة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد