هبة زووم – الدار البيضاء
أثار مشروع إحداث فضاء مخصص للألعاب الإلكترونية بالعاصمة الاقتصادية موجة جدل واسعة داخل مجلس جماعة الدار البيضاء وخارجه، بعدما تبيّن أن كلفته تصل إلى حوالي 15 مليار سنتيم، وفي موقع كان مبرمجًا منذ سنوات ليكون فضاءً سوسيو-ثقافيًا ورياضيًا عموميًا يخدم ساكنة منطقة تعاني أصلًا من خصاص حاد في البنيات الأساسية.
الجدل لم يبقَ في حدود النقاش التقني، بل اتخذ بعدًا سياسيًا واجتماعيًا واضحًا، خاصة بعد أن وجّه رشيد أفيلال، النائب البرلماني عن حزب الاستقلال، رسالة مفتوحة إلى نبيلة الرميلي، عمدة الدار البيضاء، عبّر فيها عن رفضه القاطع لهذا المشروع، محذرًا من تبعاته على الحق في الولوج المجاني إلى الفضاءات العمومية.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن الوعاء العقاري المعني كان مخصصًا لبناء مركب ثقافي ورياضي يضم دور شباب، مكتبات بلدية، وملاعب للقرب، لفائدة ساكنة تعيش التهميش وحرمانًا مزمنًا من أبسط شروط الإدماج الثقافي والاجتماعي، غير أن هذا المشروع “تبخر”، ليحل محله خيار آخر: فضاء للألعاب الإلكترونية بمليارات السنتيمات.
هذا التحول يطرح أكثر من علامة استفهام: من غيّر وجهة المشروع؟ وبأي منطق تُحوَّل أموال عمومية إلى نشاط ترفيهي نخبوِي في مدينة تختنق بأزمات اجتماعية عميقة؟
النائب البرلماني حذّر بوضوح من أن هذا المشروع يُنهي عمليًا مبدأ مجانية الفضاءات العمومية، ويؤسس لمنطق جديد قوامه “الدفع مقابل الترفيه”، حتى في الأحياء الفقيرة، وهو ما اعتبره عدد من المتابعين خطوة أخرى في اتجاه خصخصة المجال العام وتحويله إلى سلعة.
الأكثر إثارة للجدل، أن هذا النوع من الأنشطة مُقيد أو محظور في عدد من الدول المتقدمة، بسبب آثاره النفسية والسلوكية على الأطفال والشباب، في إطار سياسات وقائية تحمي العقول الناشئة من الإدمان الرقمي.
فهل اختارت الدار البيضاء أن تسير في الاتجاه المعاكس، مستثمرة في ما يشبه “مخدرًا رقميا”، بدل الاستثمار في الثقافة، والرياضة، والتربية غير النظامية؟
مشروع من هذا الحجم يضع مجلس مدينة الدار البيضاء أمام أسئلة سياسية وأخلاقية حارقة: هل انتهى عهد الفضاء العمومي المفتوح والمجاني؟ هل الأولوية فعلًا للألعاب الإلكترونية، أم لدور الشباب والمكتبات والملاعب؟ ومن يستفيد فعليًا من مشروع بـ15 مليار سنتيم في مدينة تعاني أحياء كاملة من التهميش؟
في مدينة تُوصف بأنها “قاطرة الاقتصاد الوطني”، يبدو أن الاختيارات الجماعية باتت تنفصل أكثر فأكثر عن انتظارات السكان، وتُدار بمنطق استثماري بارد، لا يرى في الشباب سوى مستهلكين، لا مواطنين لهم حق في فضاء عمومي عادل ومنصف.
تعليقات الزوار