السعيدية.. صفقة نظافة بملايين الدراهم تثير شبهة تضخيم الكلفة وتفجر غضب المعارضة وتدفعها لرفع ورقة القضاء في وجه الرئاسة
هبة زووم – محمد أمين
لم تعد صفقة تدبير قطاع النظافة بمدينة السعيدية مجرد نقطة تقنية معروضة على جدول أعمال المجلس الجماعي، بل تحولت إلى ملف سياسي وقانوني ساخن يثير جدلاً واسعاً حول طريقة تدبير المال العام ومدى احترام القوانين المنظمة للجماعات الترابية.
ففي خطوة تصعيدية غير مسبوقة، وجه عدد من أعضاء المجلس الجماعي للسعيدية مراسلة شديدة اللهجة إلى رئيس المجلس، أعلنوا من خلالها رفضهم المطلق للمصادقة على عقد التدبير المفوض لقطاع النظافة، معتبرين أن المشروع يثير اختلالات قانونية ومالية خطيرة تستوجب التوقف عندها قبل تمريره.
ويأتي في مقدمة هذه المؤاخذات ما اعتبره الموقعون خرقاً واضحاً لمقتضيات القانون التنظيمي للجماعات، بعدما تمت المصادقة السابقة على مقرر التدبير المفوض بموافقة ستة أعضاء فقط من أصل سبعة عشر عضواً يمارسون مهامهم داخل المجلس، وهو رقم، بحسب المعترضين، لا يرقى إلى الأغلبية المطلقة المطلوبة قانوناً في القرارات المتعلقة بتدبير المرافق العمومية، ما يجعل المقرر، في نظرهم، فاقداً للسند القانوني.
ويستند أصحاب هذا الطعن إلى قاعدة قانونية واضحة مفادها أن أي مقرر لا يحترم شروط التصويت المنصوص عليها قانوناً يفقد شرعيته، معتبرين أن رئاسة المجلس كان يتعين عليها إعلان سقوط المقرر بدل تمريره في ظروف تطرح الكثير من علامات الاستفهام.
غير أن الجانب القانوني ليس وحده ما فجر موجة الاعتراض، بل إن الشق المالي للصفقة يبدو أكثر إثارة للجدل، فالأعضاء المحتجون يتحدثون عن قفزة وصفت بـ”الصاروخية” في الكلفة المالية للعقد، بعدما انتقلت من حوالي 11 مليون درهم في العقد السابق إلى أكثر من 22 مليون درهم في المشروع الجديد، أي بزيادة تناهز الضعف دون وجود مبررات موضوعية أو تحولات هيكلية كبرى تبرر هذا الارتفاع.
وتزداد حدة الانتقادات عندما تتم مقارنة هذه الأرقام بما يجري في محيط السعيدية. فبحسب المعطيات المقدمة، فإن شركة التنمية المحلية المكلفة بتدبير القطاع على مستوى 15 جماعة بإقليم بركان لا تتجاوز ميزانيتها الإجمالية 23 مليون درهم، رغم أن خدماتها تقدم بشكل دائم على مدار السنة، في حين أن مدينة السعيدية تعرف خصوصية موسمية يرتفع فيها الطلب أساساً خلال فصل الصيف فقط.
هذا المعطى يفتح الباب أمام تساؤلات محرجة حول الأسس الحقيقية التي اعتمدت في احتساب الكلفة الجديدة، وحول مدى واقعية الدراسات التي استند إليها المشروع قبل عرضه على المجلس.
وفي السياق نفسه، وجه الأعضاء انتقادات لاذعة لما وصفوه بـ”الأرقام المنفوخة” المتعلقة بكميات النفايات. فبينما تشير معطيات مجموعة الجماعات “تريفة” إلى أن حجم النفايات المنتجة بالسعيدية سنة 2024 لم يتجاوز حوالي ألف طن، تتحدث الوثائق المعتمدة في المشروع الجديد عن أزيد من 32 ألف طن خلال فترة التدبير المقبلة، وهو فارق شاسع يثير الكثير من علامات الاستفهام بشأن منهجية التقدير والجهة التي صادقت على هذه الأرقام.
ولم يقف الجدل عند حدود الكلفة والأرقام، بل امتد إلى اختيار العقار المخصص لإيواء مستودع ومقر الشركة المفوض لها تدبير القطاع، إذ يرفض المعارضون تخصيص قطعة أرضية جماعية وسط تجمع سكني كثيف لهذا الغرض، محذرين من تداعيات بيئية واجتماعية مباشرة على السكان بسبب الروائح الكريهة والضجيج الناتج عن حركة الشاحنات وآليات جمع النفايات.
ويعتبر هؤلاء أن الإصرار على هذا الموقع يتجاهل شكايات سابقة للساكنة ويهدر فرصة استثمار العقار الجماعي في مشاريع تنموية أكثر فائدة للمدينة وسكانها، مؤكدين أن المنطق السليم يقتضي إلزام الشركة المستفيدة من الصفقة باقتناء أو كراء فضاء خاص خارج المدار السكني.
وأمام هذه المعطيات، يبدو أن ملف النظافة بالسعيدية تجاوز بكثير النقاش المرتبط بجودة الخدمات، ليصبح اختباراً حقيقياً لمدى احترام قواعد الحكامة والشفافية في تدبير الصفقات العمومية.
فحين تتضاعف الكلفة المالية في ظرف وجيز، وتثار شبهات حول الأرقام المعتمدة، ويطرح الجدل بشأن قانونية المصادقة نفسها، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت المدينة أمام مشروع لتطوير القطاع أم أمام صفقة ستظل تلاحقها علامات الاستفهام.
وإذا كان الموقعون على المراسلة قد أعلنوا صراحة احتفاظهم بحق اللجوء إلى القضاء الإداري للطعن في المقرر، فإن الأنظار تتجه اليوم نحو الجهات الوصية ومؤسسات الرقابة المالية والإدارية لمعرفة ما إذا كانت ستفتح تحقيقاً في هذه المؤشرات المثيرة للجدل، أم أن الملف سيمر كما مرت ملفات أخرى تحت غطاء الأغلبية العددية، تاركاً الساكنة وحدها تؤدي فاتورة قرارات لا تعرف كيف اتخذت ولا على أي أساس بنيت.