سلا تحت رحمة الفوضى.. احتلال الملك العمومي يكشف عجز السلطات عن فرض القانون

هبة زووم – سلا
لم يعد احتلال الملك العمومي بمدينة سلا مجرد ظاهرة عابرة أو تجاوزات معزولة يمكن التغاضي عنها، بل تحول إلى واقع يومي يفرض نفسه بقوة على المشهد الحضري، في صورة تعكس حالة من التسيب والتراخي الإداري الذي جعل الأرصفة والشوارع فضاءات مستباحة خارج أي ضوابط قانونية أو تنظيمية.
ففي عدد من الأحياء والمحاور الرئيسية بالمدينة، لم يعد المواطن يجد رصيفاً صالحاً للسير أو فضاءً عمومياً يمارس فيه حقه الطبيعي في التنقل بأمان وكرامة. الأرصفة التي أنجزت بأموال دافعي الضرائب تحولت إلى امتدادات عشوائية للمحلات التجارية والمقاهي، بينما استولى الباعة الجائلون على مساحات واسعة من الملك العمومي في مشهد يوحي وكأن المدينة أصبحت خارج دائرة القانون.
الأخطر من ذلك أن هذه الفوضى لا تحدث في الخفاء أو بعيداً عن أعين المسؤولين، بل تجري بشكل يومي ومكشوف، أمام السلطات المحلية والأجهزة المكلفة بالمراقبة، دون أن يلمس المواطن أي تدخل حقيقي يعيد الأمور إلى نصابها. وهو ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول أسباب هذا الصمت المريب، وحول الجهات التي تستفيد من استمرار هذا الوضع غير الطبيعي.
الساكنة تؤكد أن الشكايات والنداءات لم تتوقف، وأن المواطنين عبروا مراراً عن استيائهم من تحول الأرصفة إلى فضاءات محتلة بالكامل، مما يجبر الراجلين، بمن فيهم الأطفال وكبار السن وذوو الاحتياجات الخاصة، على النزول إلى قارعة الطريق وتعريض حياتهم للخطر. غير أن هذه النداءات، بحسب المتضررين، ظلت تصطدم بجدار اللامبالاة والتجاهل.
ويعتبر متابعون للشأن المحلي أن استمرار هذه الظاهرة لا يعكس فقط ضعف المراقبة، بل يكشف أزمة حقيقية في تدبير المجال الحضري، حيث يبدو أن تطبيق القانون يتم بمنطق انتقائي لا ينسجم مع مبادئ المساواة وربط المسؤولية بالمحاسبة، فكيف يمكن الحديث عن احترام القانون في الوقت الذي يتم فيه الاستيلاء على الملك العمومي بشكل علني ودون أي رادع؟
كما أن خطورة الظاهرة لا تتوقف عند تشويه المشهد الحضري وتعطيل حركة السير والجولان، بل تمتد إلى خلق بيئة من الفوضى تشجع على المزيد من التجاوزات، وتبعث رسائل سلبية مفادها أن منطق فرض الأمر الواقع أصبح أقوى من سلطة القانون.
وفي الوقت الذي تشهد فيه مدن مغربية أخرى حملات واسعة لتحرير الملك العمومي وإعادة الاعتبار للفضاءات المشتركة، تبدو سلا وكأنها تسير في الاتجاه المعاكس، حيث تتوسع رقعة الاحتلال يوماً بعد يوم وسط غياب حلول جذرية قادرة على وضع حد لهذا النزيف المستمر.
اليوم، لم يعد المواطن السلاوي يطالب بحملات موسمية أو تحركات ظرفية سرعان ما تنتهي بعودة الأمور إلى ما كانت عليه، بل يطالب بتطبيق القانون بشكل دائم وعادل، وبإرادة حقيقية تعيد للأرصفة وظيفتها الأصلية، وتحمي حق الجميع في الاستفادة من الملك العمومي دون تمييز أو استثناء.
فهيبة الدولة لا تقاس بعدد البلاغات أو الاجتماعات، وإنما بقدرتها على فرض القانون في الشارع. وما يحدث في عدد من شوارع سلا يطرح سؤالاً جوهرياً: هل فقدت السلطات السيطرة على الملك العمومي، أم أن هناك من قرر غض الطرف عن هذه الفوضى وترك المدينة رهينة لمصالح ضيقة لا علاقة لها بالمصلحة العامة؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد