البناء العشوائي واستفزاز السؤال المشروع: من يراقب داخل دائرة الرشيدية؟

هبة زووم – الرشيدية
منذ الاستقلال، خاض المغرب محطات مفصلية دفاعًا عن سيادة القانون ونصرة الحقوق الأساسية للمواطنين، وكان للموظف العمومي، في كثير من المراحل، دور محوري في تجسيد هذا الالتزام، باعتباره خادمًا للمرفق العام وحارسًا للأمانة الإدارية.
غير أن هذا الدور، في تفاصيل الحياة اليومية، لا يُقاس بالشعارات الكبرى، بل بمدى إحساس المواطن بالعدل والإنصاف في علاقته المباشرة مع الإدارة.
في الرشيدية، قد لا يتصدر اسم “السلطة المحلية” واجهة الأحداث الوطنية، لكنه حاضر بقوة في تفاصيل دقيقة ترسم ملامح العيش اليومي: رخص البناء، تنظيم الأسواق، تدبير الاحتجاجات، لجان المراقبة، محاضر المخالفات، وتسوية نزاعات صغيرة تتحول أحيانًا إلى قضايا مجتمعية حقيقية.
وفي قلب هذا المشهد، يقف رئيس دائرة الرشيدية في موقع بالغ الحساسية، بين تمثيل الدولة وخدمة المواطن، بين نص القانون وضغط الواقع، وبين ما يُوثَّق رسميًا وما يُدار بصمت داخل المكاتب.
هذا الصمت، الذي أصبح خيارًا شائعًا لدى فئات واسعة من المواطنين، لا يعكس بالضرورة رضا، بقدر ما يعكس خوفًا أو إنهاكًا. تراجع عن شكايات، تسويات غير موثقة، أو قبول بالأمر الواقع تفاديًا لطول المساطر وتعقيدها.
بعض المواطنين لا يثقون في جدوى الشكوى، وآخرون لا يعرفون أصلًا كيف وأين يشتكون، ما يؤدي إلى تراكم مظالم صغيرة، غير مرئية، لكنها خطيرة في أثرها، لأنها تُضعف تدريجيًا الإحساس بالعدالة الإدارية.
في المقابل، يشتكي عدد من رجال السلطة من ضغط الملفات وتناقض التوقعات: مواطن يطالب بحل فوري، وقانون يفرض مساطر؛ منتخبون ينتظرون تسريع المشاريع، وإكراهات مادية وبشرية تحد من ذلك؛ وإدارة مركزية تطالب بتقارير دقيقة في آجال ضيقة، غير أن هذه الإكراهات، مهما كانت وجيهة، لا يمكن أن تتحول إلى مبرر لتجاهل الأسئلة المشروعة أو التعامل معها بانفعال واستفزاز.
وهنا تبرز نقطة جوهرية تتعلق بأداء رئيس دائرة الرشيدية: حماية المرؤوسين واجبة، لكن حمايتهم من الوقوع في الخطأ، بل وفي الخطيئة الإدارية، أوجب، وصيانة حقوق المواطنين ليست خيارًا، بل جوهر الوظيفة، لذلك، فإن رد الفعل الغاضب أو المستفز حين يُطرح تساؤل حول احتمال تورط بعض الشيوخ أو المقدمين في ممارسات مشبوهة، خاصة في جماعتي الخنك ومدغرة، يطرح أكثر من علامة استفهام.
فلا يعقل، منطقًا وإداريًا، أن يستمر البناء العشوائي في المنطقة دون أن تصل تقارير أو إشعارات إلى رئيس الدائرة، وإن لم يكن هناك علم، فذلك تقصير جسيم في تتبع عمل المرؤوسين، وإن كان هناك علم دون تدخل، فالأمر أخطر، أما استفزاز السؤال المشروع، بدل فتح تحقيق داخلي شفاف لتقصي الحقائق، فيدفع إلى التساؤل المشروع: هل هناك ما يُراد إخفاؤه؟
إن تدبير دائرة الرشيدية، كما هو الحال في عدد من المناطق، يبدو معتمدًا بشكل مفرط على “الكفاءة الفردية” بدل منظومة واضحة للمساءلة والتقييم، ما يخلق تفاوتًا صارخًا في الأداء بين منطقة وأخرى، ويجعل مصير حقوق المواطنين مرتبطًا بالأشخاص لا بالقواعد.
وحدها إدارة ترابية تُؤمن بالمساءلة، وتُرحب بالنقد، وتعتبر السؤال حقًا لا استفزازًا، قادرة على استعادة ثقة المواطن، وتحويل السلطة من مصدر خوف وصمت، إلى رافعة عدل وإنصاف.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد