هبة زووم – الدار البيضاء
في مشهد مألوف يتكرر كلما اشتد ضغط الرأي العام، حلّ عامل إقليم النواصر مرفوقًا برئيس جماعة بوسكورة بغابة غابة بوسكورة للإشراف على عملية إعادة تشجير شملت 54 هكتارًا.
حدثٌ قُدِّم باعتباره مبادرة بيئية واعدة، لكنه يطرح أكثر مما يقدّم من أجوبة، ويعيد إلى الواجهة سؤال الجدية والاستدامة في تدبير واحد من آخر المتنفسات الطبيعية بضواحي الدار البيضاء.
فغابة بوسكورة لم تصل إلى وضعها المتدهور بفعل “الجفاف” وحده، كما يُروَّج في البلاغات الرسمية، بل نتيجة سنوات من التغاضي، والتراخيص العشوائية، والاعتداءات المتكررة، والاستغلال غير القانوني، في ظل صمت إداري مطبق، وغياب شبه تام لسياسة ردع حقيقية، وعليه، فإن اختزال الأزمة البيئية في عملية تشجير موسمية، مهما بلغت مساحتها، يُعد تبسيطًا مخلًا بعمق المشكل.
اللافت أن عملية التشجير جرت بحضور رسمي وُثّق بالصور والبلاغات، لكن دون تقديم أي معطيات دقيقة للرأي العام حول كلفة المشروع، أو آليات تتبع الغرس، أو نسب نجاح عمليات التشجير السابقة، أو مصير آلاف الأشجار التي غُرست في محطات سابقة ثم اختفت بصمت، كما اختفى معها مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما يثير اختيار أصناف نباتية بعينها، من قبيل الأوكالبتوس، جدلًا بيئيًا مشروعًا، بالنظر إلى ما يطرحه هذا النوع من إشكالات مرتبطة باستهلاك المياه والتأثير على التوازن الإيكولوجي، وهو ما يستدعي نقاشًا علميًا شفافًا، لا قرارًا إداريًا فوقيًا يُقدَّم كحل سحري.
وتُشرف على هذه العملية الوكالة الوطنية للمياه والغابات في إطار ما سُمّي “برنامجًا استعجاليًا”، غير أن السؤال الجوهري يظل معلقًا: لماذا لم يكن هذا البرنامج قائمًا قبل بلوغ الغابة مرحلة الخطر؟ ولماذا لا يُواكَب التشجير بإجراءات صارمة لحماية المجال الغابوي من التخريب، ومنع الرعي الجائر، وضبط الاستغلال الترفيهي العشوائي، ووضع حد لزحف العمران المقنّع؟
إن غابة بوسكورة ليست فضاءً للتقاط الصور التذكارية، ولا رصيدًا طبيعيًا يُستحضر فقط عند اشتداد الانتقادات، بل منظومة بيئية هشة تتطلب رؤية بعيدة المدى، وحكامة واضحة، ومساءلة حقيقية لكل من ساهم بالفعل أو بالصمت في تدهورها.
وإذا كانت السلطات المحلية تؤكد انخراطها في مواجهة التغيرات المناخية، فإن هذا الانخراط لا يُقاس بعدد الهكتارات المُعلَن عنها في بلاغات رسمية، بل بمدى القدرة على حماية ما تبقى، ومحاسبة من عبث، وإشراك الساكنة في قرار بيئي شفاف، بدل الاكتفاء بمبادرات ظرفية سرعان ما تذروها الرياح.
إن إعادة تشجير 54 هكتارًا قد تكون خطوة إيجابية، لكنها تظل ناقصة، بل ومثيرة للريبة، ما لم تُستكمَل بإرادة سياسية حقيقية تُنهي سياسة “الترقيع البيئي”، وتنتقل من منطق التدبير المناسباتي إلى منطق الحماية المستدامة، حيث تكون الغابة حقًا جماعيًا لا رصيدًا قابلًا للاستنزاف.
تعليقات الزوار