الدار البيضاء: حديقة “صنداي” بسباتة وعود خضراء وواقع إسمنتي يُخنق الساكنة

هبة زووم – الدار البيضاء
في مقاطعة سباتة، حيث تتصاعد ناطحات السقف الإسمنتية وتختنق الأنفاس تحت وطأة التعمير العشوائي، كانت حديقة “صنداي” تمثل آخر رئة خضراء تتنفس منها الساكنة، لكن اليوم، لم تعد هذه الحديقة ملاذاً للاستجمام، بل تحولت إلى شاهد صامت على سياسة “الوعود المؤجلة” و”التدبير بالغفلة”.
لم يكن بعيداً في الزمن حين كانت حديقة “صنداي”، الواقعة بمحاذاة شارع محمد السعدي وعلى مرمى حجر من مقر المقاطعة، تُعتبر فضاءً حيوياً يلتف حوله الأطفال والعائلات وكبار السن، هرباً من ضجيج المدينة وضغط الحياة.
لكن اليوم، يكفي أن تطأ قدمك أرض الحديقة لتُدرك أن الزمن توقف هنا منذ سنوات، أشجار ذابلة، مساحات جرداء، ألعاب أطفال صدئَة تشكل خطراً على السلامة الجسدية، ومسالك متهالكة تحولت إلى مرتع للنفايات، كل هذا يحدث على بعد أمتار من مقر السلطة المحلية، في مفارقة صارخة بين القرب الجغرافي والبعد التدبيري.
ترفع مقاطعة سباتة، في بياناتها الرسمية، شعار “الاهتمام بالفضاءات العمومية” و”تنمية المناطق الخضراء”، شعارات جميلة تُكتب في التقارير، وتُردد في الخطابات، لكنها تتبخر عندما تصل إلى أرض الواقع.
فأين هي مشاريع إعادة تأهيل حديقة “صنداي” التي وُعدت بها الساكنة؟ وأين هي الميزانيات المخصصة لصيانة الفضاءات الخضراء؟ سؤال يطرح نفسه بقوة، خاصة وأن الواقع الملموس يُثبت أن الحديقة تمضي من سيء إلى أسوأ، دون أدني تدخل يُذكر من الجهات المسؤولة.
الأمر لا يتعلق فقط بـ”منظر قبيح” أو “إهمال جمالي”، فحديقة “صنداي” في وضعيتها الحالية تشكل تهديداً حقيقياً لسلامة السكان، وخاصة الأطفال الذين كانوا يقصدونها للعب والمرح.
الألعاب المهترئة، الأرضيات غير المستوية، الإضاءة المعطلة، وانتشار النفايات… كلها عوامل تحول الحديقة من فضاء للترويح إلى بؤرة محتملة للحوادث والأمراض، فهل تنتظر السلطات وقوع ضحية لتتحرك؟ أم أن سلامة المواطنين أصبحت “رفاهية” لا تُدرج في أولويات التدبير المحلي؟
المفارقة الأكثر إيلاماً في قصة حديقة “صنداي” هي قربها الفعلي من مقر مقاطعة سباتة، فكيف يُعقل أن تُهمل حديقة تقع على مرأى ومسمع من المسؤولين المحليين؟
هذا القرب الجغرافي يطرح تساؤلات مؤرقة: هل هو إهمال غير مقصود ناتج عن فوضى التدبير؟ أم أنه تجاهل مُبرمج يعكس أولويات مختلفة لا تضع المواطن في الحسبان؟ أم أن الحديقة ضحية “حروب مكاتب” وتضارب صلاحيات لا يريدها إلا المسؤولون؟ مهما كانت الإجابة، تبقى الحقيقة واحدة: المواطن هو من يدفع الثمن.
في النهاية، تبقى رسالة حديقة “صنداي” واضحة لكل من يملك قراراً أو ضميراً: لا تُبنى الثقة بالشعارات، ولا تُقاس المصداقية بالخطابات. المواطن لا يحتاج إلى وعود خضراء على الورق، بل إلى فعل ملموس يُعيد لفضائه العمومي حياته وكرامته.
حديقة “صنداي” اليوم ليست مجرد مساحة مهملة؛ إنها مرآة تعكس واقعاً أعمق: واقع وعود تُطلق في الهواء، ومشاريع تُؤجل إلى أجل غير مسمى، ومسؤولين يغيبون عن جيرانهم من المواطنين.
فإما تدخل عاجل يُنقذ ما تبقى من هذه الرئة الخضراء، وإما اعتراف صريح بأن “الفضاءات العمومية” ليست من أولويات التدبير المحلي. والخيار، كما كان دائماً، بين يدي من يملك الإرادة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد