من 2004 إلى 2030: وكالة بولعجول تغير تواريخ الاستراتيجيات والطرقات لا تزال تحصد الأرواح

هبة زووم – إفران
في قاعة بالمعهد العالي للعلوم الأمنية بإفران، أُعلن عن تخصيص أزيد من 8 مليارات درهم لتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للسلامة الطرقية للفترة 2026-2030، أرقام ضخمة، وخطابات طموحة، و”رؤية استباقية” تُقدّم كحل سحري لأحد أكثر الملفات دموية في المغرب.
لكن خلف هذه الواجهة البراقة، يطرح الواقع سؤالاً مزعجاً: إذا كانت الاستراتيجيات الوطنية للسلامة الطرقية تتوالى منذ 2004، فلماذا لا تزال الطرقات المغربية تحصد الأرواح كأنها ساحة حرب؟
قبل الغوص في تفاصيل “الاستراتيجية الجديدة”، لنقف عند رقم واحد أطلقه المسؤولون أنفسهم: مستعملو الدراجات النارية شكلوا 45% من ضحايا حوادث السير خلال سنة 2025.
هذا الرقم ليس مجرد إحصائية؛ إنه صرخة فئات هشة تُذبح يومياً على الأسفلت، بينما تُناقش “الرؤى الاستراتيجية” في قاعات مكيفة. فأي استراتيجية هذه التي تعلن عن “حماية مستعملي الطريق” فيما نصف ضحاياها تقريباً من فئة عديمة الحماية أساساً؟
وفي هذا السياق، يؤكد الكاتب العام لوزارة النقل أن المغرب “عمل في إطار رؤية استباقية متواصلة منذ سنة 2004” على إرساء استراتيجيات وطنية للسلامة الطرقية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت هذه الرؤية “استباقية” و”ممنهجة”، فلماذا لا تزال الحصيلة دموية؟
الحقيقة المرة: المغرب لا يعاني من نقص في “الاستراتيجيات”، بل يعاني من فجوة مهولة بين التخطيط والتنفيذ. فكل بضع سنوات، نسمع عن: “مخطط عمل مفصل” يحدد الآجال والموارد، “مقاربة تشاركية” مع جميع القطاعات، “تحيين الإطار القانوني” لمواكبة التطور التكنولوجي، لكن على الأرض، يستمر المواطن في دفع الثمن: طرق غير آمنة، مراقبة انتقائية، وعقوبات لا تردع.
فحين يُعلن المسؤولون عن “حماية الفئات الأكثر عرضة للمخاطر”، بينما تمثل الدراجات النارية 45% من الضحايا، يطرح التناقض نفسه بقوة: أين هي الإجراءات الملموسة لهذه الفئة تحديداً؟
نعم، تم الحديث عن: ملاءمة قواعد السير مع “وسائل التنقل الجديدة”، مكافحة “السياقة الاستعراضية”، مع حجز 14 ألف دراجة نارية مخالفة.
لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تبقى ردود فعل جزئية أمام ظاهرة تحتاج إلى مقاربة شمولية: مسالك مخصصة للدراجات في المدن الكبرى؟ غير موجودة بشكل كافٍ، تكوين إجباري صارم قبل منح رخصة الدراجة النارية؟ لا يزال هشاً، تأمين صحي إلزامي يغطي إصابات هذه الفئة؟ غائب أو غير فعال، حملات توعية مستهدفة لراكبي الدراجات؟ موسمية وإعلامية أكثر منها ميدانية.
ويُبرز المسؤولون أن الوزارة تضطلع بدور محوري في “تطوير الإطار التشريعي والتنظيمي”، وهذا صحيح: مدونة السير موجودة، والنصوص التنظيمية تتوالى، لكن القانون بدون تطبيق صارم وعادل مجرد حبر على ورق، فحين: تُغض العين عن مخالفات “أبناء العائلات النافذة”، تتذبذب المراقبة بين الشدة والتساهل حسب “المناسبة”، وتبقى العقوبات غير رادعة مقارنة بخطورة المخالفات، فإن “المنظومة التشريعية” تفقد روحها، ويتحول “تحسين شروط السلامة” إلى شعار إعلامي.
اليوم الدراسي الذي نظمته المديرية العامة للأمن الوطني تزامناً مع اليوم الوطني للسلامة الطرقية، ناقش مواضيع هامة: المراقبة، التشريع، الرقمنة، والتجارب الدولية.
لكن يبقى السؤال: من يستفيد من هذه النقاشات النخبوية؟ هل تصل مخرجاتها إلى المواطن البسيط الذي يقود دراجته النارية يومياً معرضاً حياته للخطر؟ أم أنها تبقى حبيسة تقارير تُرفع إلى “اللجنة الاستراتيجية” و”اللجنة الدائمة”؟
السلامة الطرقية لا تُبنى في القاعات، بل على الأرض: في جودة الطرق، في صرامة المراقبة، في عدالة العقوبات، وفي وعي كل مستعمل للطريق.
في النهاية، ليست المشكلة في مبلغ 8 مليارات درهم. المشكلة في: كيف ستُصرف هذه الميزانية؟ من سيراقب تنفيذها؟ ومتى سنرى نتائج ملموسة تنقذ الأرواح؟
فالاستراتيجية الوطنية للسلامة الطرقية 2026-2030 ليست مجرد وثيقة تُعلن في إفران، إنها اختبار مصداقية للدولة أمام مواطنيها: هل ستنجح هذه المرة في تحويل “الرؤية الاستباقية” إلى “حماية استباقية” للأرواح؟
أم أننا سنعود بعد خمس سنوات لنسمع عن “استراتيجية جديدة 2031-2035″، بينما تستمر الدراجات النارية في حمل ضحاياها إلى المستشفيات والمشارح؟ والطريق واضح: إما أفعال تُنقذ الأرواح، وإما كلمات تُبرر الفشل. والخيار، كما كان دائماً، بين يدي من يملك الإرادة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد